عاد الورش البحري الجديد بميناء الدار البيضاء إلى واجهة النقاش حول مستقبل الصناعة البحرية الوطنية، بعدما أفادت صحيفة «La Voz de Galicia» الإسبانية، اليوم الأحد 20 شتنبر 2026، بأن موعد الحسم في منح امتياز استغلال المنشأة أُرجئ إلى 31 دجنبر المقبل، في وقت كان الإعلان عن صاحب الامتياز منتظراً منذ الصيف.
ولا يتعلق المعطى بإلغاء المشروع أو إطلاق مسطرة جديدة من الصفر، بل باستمرار تأخر اختيار المشغل الذي سيحصل، وفق طلب المنافسة، على امتياز يمتد 30 سنة لتطوير وتجهيز واستغلال وصيانة الورش البحري بميناء الدار البيضاء.
وتتقاطع المعلومة الإسبانية الجديدة مع معطيات سبقتها داخل المغرب وخارجه. فقد كشفت «Médias24» في 6 غشت أن الإعلان الذي كان مقرراً يوم 5 غشت أُرجئ إلى دجنبر 2026، قبل أن يحدد موقع «Canary Maritime» المتخصص في الاقتصاد البحري، يوم 24 غشت، تاريخ 31 دجنبر 2026 موعداً جديداً للحسم في الملف.
المصدر | La Voz de Galicia – 20 شتنبر 2026
🟦 المصدر | Médias24 – تأجيل اختيار صاحب الامتياز إلى دجنبر 2026
المصدر | Canary Maritime – تحديد 31 دجنبر موعداً جديداً
غير أن الوكالة الوطنية للموانئ لم تنشر، حتى كتابة هذه المادة، بلاغاً علنياً يشرح بصورة تفصيلية أسباب تجاوز موعد 5 غشت أو يوضح ما إذا كان 31 دجنبر يمثل أجلاً نهائياً ملزماً أم مجرد تمديد جديد لمسار التقييم.
وتذهب «La Voz de Galicia» إلى أن التأجيل يمنح الوكالة وقتاً إضافياً لحسم سؤال يتجاوز هوية المستغل، ويتعلق بالنموذج الصناعي الذي سيقوم عليه المشروع: هل يظل الورش مجرد منشأة تمنح لشركة أو تحالف خارجي في إطار امتياز تقليدي، أم يتحول إلى قاعدة أوسع لبناء صناعة بحرية وطنية؟
وهي قراءة سبق أن طرحها «Canary Maritime» في غشت، عندما ربط التأجيل بالنقاش حول السيادة الصناعية ونقل المعرفة التقنية والقدرة على الاحتفاظ بالكفاءات البحرية داخل المغرب، غير أن هذه التفسيرات تبقى تحليلات إعلامية في غياب تعليل رسمي منشور من الوكالة الوطنية للموانئ.
الورش البحري بالدار البيضاء.. ثلاثة متنافسين وامتياز لمدة 30 سنة
يتنافس على الامتياز، وفق المعطيات التي نشرتها «Médias24»، تحالف يقوده «Radi Holding» المغربي ويضم «Marina Meridional» الإسبانية و«Ningbo Xinle Shipbuilding Group» الصينية، مقابل تحالف يجمع «Somagec» المغربية و«HD Hyundai Heavy Industries» الكورية الجنوبية و«Kuzey Star Shipyard» التركية، إضافة إلى متنافس إيطالي لم تكشف هويته.
وكانت العروض المالية التي نُشرت في يوليوز قد أظهرت، وفق مصدر حضر فتح الأظرفة ونقلت عنه «Médias24»، عرض إتاوة سنوية تعادل 4 في المائة من رقم المعاملات من طرف تحالف «Radi Holding»، مقابل ما بين 2 و2.5 في المائة لتحالف «Somagec–Hyundai–Kuzey Star»، ونحو 1 في المائة للمتنافس الإيطالي.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن صاحب أعلى إتاوة هو الفائز آلياً، لأن العرض المالي ليس سوى جزء من عملية التقييم، بينما لم تُنشر للعموم حتى الآن الأوزان التفصيلية لجميع المعايير التقنية والمالية التي ستحدد القرار النهائي.
المصدر | Médias24 – العروض المالية للمتنافسين
وتكشف وثيقة طلب المنافسة أن الورش يمتد على 21 هكتاراً من المساحات الأرضية، ويضم حوضاً جافاً بقياس 244 متراً في 40 متراً، ومنصة لرفع السفن بطول 150 متراً وعرض 28 متراً وبقدرة تبلغ 9000 طن.
كما يضم حوضاً بطول 62 متراً وعرض 13 متراً مجهزاً برافعة أحزمة بقدرة 450 طناً، إلى جانب أرصفة للتجهيز والصيانة يصل طولها الإجمالي إلى 820 متراً.
وتوضح الوثيقة نفسها أن الامتياز يشمل تهيئة وتجهيز واستغلال وصيانة المنشأة لمدة 30 سنة، مع اشتراط خبرة لا تقل عن عشر سنوات في تشغيل أوراش بحرية مماثلة.
الوثيقة | طلب المنافسة الدولي الخاص بامتياز الورش البحري بميناء الدار البيضاء
ويضع حجم هذه المنشآت المشروع في صلب طموح المغرب لتقليص اعتماده على أوراش الصيانة والإصلاح خارج البلاد، وهو تحد سبق أن رصده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي أشار إلى أن عدداً كبيراً من ملاك السفن العاملة أو العابرة للموانئ المغربية يفضلون إنجاز أعمال الصيانة والإصلاح في أوراش أجنبية، خصوصاً في إسبانيا.
كما دعا المجلس صراحة إلى تسريع منح امتياز ورش الدار البيضاء وتحسين جاذبية شروطه التعاقدية، في إطار استراتيجية وطنية متكاملة للصناعة البحرية.
المصدر الرسمي | المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي – تقرير الصناعة البحرية
وتضيف الصحيفة الإسبانية أن أنشطة الورش ستشمل بناء السفن وإصلاحها وخدمة أساطيل الصيد والنقل واللوجستيك، مع حضور للصيانة العسكرية ضمن الأنشطة المحتملة للموقع.
ويتقاطع ذلك مع العرض الصناعي الذي سبق أن قدمته «HD Hyundai Heavy Industries»، إذ كشفت تصريحات لمسؤولي المجموعة الكورية عن تصور يقوم على منشأة مزدوجة الاستخدام قادرة على بناء وصيانة السفن التجارية والعسكرية معاً، ضمن مشروع أوسع لنقل التكنولوجيا وتطوير سلسلة صناعية بحرية محلية.
غير أن فوز التحالف الذي توجد فيه «Hyundai» لم يحسم، ولا يمكن اعتبار هذا التصور نموذجاً نهائياً للورش ما دامت المنافسة مستمرة بين ثلاثة عروض.
وكان MarocActu24 قد تابع قبل ثلاثة أيام تسلم البحرية الملكية سفينة الدورية الجديدة «Moulay Hassan I» من شركة «Navantia» الإسبانية، وهي أول سفينة حربية تبنيها صناعة السفن الإسبانية للمغرب منذ 43 عاماً، في مثال مباشر على استمرار اعتماد جزء من الاحتياجات البحرية العسكرية للمملكة على أوراش خارجية.
اقرأ أيضاً | بعد 43 عاماً من الانقطاع.. إسبانيا تسلم المغرب سفينة عسكرية جديدة بلا حفل رسمي
كما تابع الموقع توجهاً أوسع نحو بناء قدرات صناعية دفاعية محلية، من خلال مشروع «Harmattan AI» الذي يتضمن إنشاء فرق هندسية وتصنيعية بالمغرب، وهي دينامية مختلفة عن الصناعة البحرية لكنها تعكس الاتجاه نفسه نحو رفع المحتوى الصناعي والتكنولوجي المحلي.
اقرأ أيضاً | Harmattan AI في المغرب.. فريق يقارب 50 شخصاً بالرباط وخطة للإنتاج المتسلسل للمسيّرات
أما كلفة الورش البحري نفسه فتطرح مفارقة تحتاج إلى توضيح رسمي.
فصحيفة «La Voz de Galicia» تتحدث في مادتها الجديدة عن استثمار بقيمة تقارب 300 مليون يورو، بينما ذكر بلاغ للوكالة الوطنية للموانئ بتاريخ 12 يونيو 2026 مبلغ 1.2 مليار درهم عند تقديم الورش ضمن مشاريع ميناء الدار البيضاء.
غير أن الوكالة نفسها كانت قد أعلنت، في منشور رسمي بمناسبة افتتاح مشاريع المركب المينائي في 18 شتنبر 2025، أن الاستثمار في الورش البحري بلغ 2.5 مليار درهم، وهو الرقم نفسه الذي نقلته معطيات وكالة المغرب العربي للأنباء في تلك المناسبة.
وفي المقابل، كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد ذكر في تقريره حول الصناعة البحرية أن كلفة تطوير الورش، الذي اعتبر بنيته منجزة سنة 2022، بلغت 2.7 مليار درهم.
ولا تسمح الوثائق المنشورة حالياً بالجزم بسبب اختلاف هذه الأرقام أو اعتبارها تلقائياً مؤشرات لمراحل أو نفقات مختلفة، خصوصاً أن بلاغ الوكالة الصادر في يونيو 2026 يذكر أيضاً 2.5 مليار درهم للميناء الجديد للصيد، بينما كانت الوكالة نفسها قد أعلنت سنة 2025 أن الميناء كلف 1.2 مليار درهم والورش البحري 2.5 مليار درهم.
المصدر الرسمي | الوكالة الوطنية للموانئ – بلاغ 12 يونيو 2026
المصدر الرسمي | الوكالة الوطنية للموانئ – معطيات افتتاح مشاريع ميناء الدار البيضاء
لذلك يبقى الرقم الأكثر اتساقاً مع معطيات افتتاح المشروع سنة 2025 هو 2.5 مليار درهم، مع بقاء رقم 2.7 مليار درهم وارداً في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ورقم 300 مليون يورو في الصحافة الإسبانية، وهو ما يجعل التوضيح الرسمي ضرورياً قبل تقديم رقم واحد باعتباره الكلفة النهائية الحاسمة.
ويتجاوز ملف الورش البحري بالدار البيضاء مسألة اختيار شركة لإدارة منشأة مينائية، لأنه يرتبط بسؤال أكبر حول قدرة المغرب على تحويل بنية تم إنجازها بمليارات الدراهم إلى قاعدة فعلية لبناء السفن وإصلاحها ونقل التكنولوجيا وتكوين اليد العاملة المحلية.
ويبقى السؤال المباشر أمام الوكالة الوطنية للموانئ هو ما إذا كان 31 دجنبر 2026 يمثل فعلاً المحطة النهائية للحسم بعد تجاوز موعد 5 غشت، وما الأسباب الرسمية وراء تمديد المسطرة، وما إذا كانت شروط الامتياز ستظل كما وردت في طلب المنافسة أم أن التأجيل سيقود إلى تعديلات جديدة قبل اختيار صاحب الامتياز.
