وضع الباحث والكاتب إدريس الكنبوري انتخابات 23 شتنبر في قلب انتقاد حاد للمشهد السياسي والحملة الانتخابية الجارية، معتبراً أن ما يظهر خلالها من تصريحات واتهامات على ألسنة مسؤولين حزبيين يطرح، من وجهة نظره، أسئلة تتجاوز يوم الاقتراع نفسه إلى طريقة تعامل الدولة ومؤسساتها مع ما يُثار خلال هذه المرحلة.
وقال الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، إن «عدم تحرك الدولة والنيابة العامة أمام الفضائح التي كشفتها الحملة الانتخابية والحقائق التي تظهر على ألسنة مسؤولي الأحزاب يجعل انتخابات 23 شتنبر دون معنى»، قبل أن يذهب أبعد في توصيفه للمشهد بالقول: «لقد أصبحنا أمام سوق بدون بواب».
وتظل أوصاف «الفضائح» و«الحقائق» الواردة في التدوينة تعبيراً عن موقف الكنبوري وقراءته لما يجري خلال الحملة، ولا تشكل في حد ذاتها إثباتاً قضائياً لوقائع أو جرائم محددة.
كما أن ما يُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يغني قانونياً عن التحقيق والتحقق من الوقائع من طرف الجهات المختصة.
ويكتسب استحضار النيابة العامة في موقف الكنبوري أهمية خاصة، بالنظر إلى أن الفصل 110 من الدستور المغربي ينص على أن قضاة النيابة العامة يجب عليهم تطبيق القانون، مع الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها، ما يجعل التمييز ضرورياً بين الاتهامات والتصريحات المتداولة خلال الحملة وبين الوقائع التي تثبتها الأبحاث والمساطر القانونية.
المصدر الرسمي | دستور المملكة المغربية – الجريدة الرسمية
ولا يبقى هذا التمييز نظرياً فقط، إذ سبق أن ظهر خلال الحملة الحالية في ملفات انتقلت من دائرة التصريحات إلى البحث القضائي.
ففي ملف منفصل، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس مواصلة البحث في ادعاءات أثارها دفاع البرلماني السابق رشيد الفايق، دون أن يعني فتح البحث ثبوت تلك الاتهامات.
وكان MarocActu24 قد تابع هذا الملف، موضحاً أن النيابة العامة لم تؤكد صحة الادعاءات، وإنما أعلنت مواصلة البحث وترتيب الآثار القانونية اللازمة على ضوء ما ستسفر عنه الإجراءات.
اقرأ أيضاً | شكاية رشيد الفايق.. النيابة تواصل البحث في ادعاءات بـ800 مليون وتسجيلات مزعومة
انتخابات 23 شتنبر في قراءة الكنبوري
ويرى الكنبوري أن ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح، من وجهة نظره، كافياً لإظهار حجم المشكلات التي تحيط بالممارسة السياسية والانتخابية، قائلاً إن الأمر «لم يعد يحتاج إلى تحقيق لأن ما تظهره مواقع التواصل الاجتماعي كاف لرؤية الحقائق».
غير أن جوهر تدوينته لم يتوقف عند انتقاد الحملة الانتخابية أو نوعية المرشحين، بل انتقل إلى مساءلة وظيفة الانتخابات نفسها داخل النظام السياسي المغربي، معتبراً أن مجرد تنظيم الاستحقاقات لا يمثل، في حد ذاته، حلاً للأزمات التي تعيشها البلاد.
وكتب الكنبوري أن «تنظيم الانتخابات ليس حلا للأزمات التي يعيشها المغرب»، معتبراً أن الدولة، بحسب قراءته، «تنظر إلى الانتخابات كتقنية فقط تبدأ بالحملة وتنتهي بالاقتراع».
وبالنسبة إليه، فإن إجراء الانتخابات لا يعني تلقائياً تحقق الإصلاح أو التغيير أو الديمقراطية، بل قد تقود العملية، في ظروف معينة وفق رأيه، إلى نتيجة معاكسة، قائلاً: «الانتخابات لا تعني الإصلاح والتغيير ولا تعني الديمقراطية، بل قد تكون ضد الإصلاح وضد الديمقراطية».
وربط الكنبوري موقفه بما وصفه بـ«نوعية المرشحين وانتشار الفساد»، معتبراً أن هذين العاملين يضعان الاستحقاق أمام أزمة سابقة حتى على فتح مكاتب التصويت، وكتب: «نوعية المرشحين وانتشار الفساد يحكمان على هذه الانتخابات بالفشل حتى قبل يوم الاقتراع».
ويظل هذا الحكم تقييماً سياسياً شخصياً للكنبوري، وليس نتيجة صادرة عن جهة رسمية أو مؤسسة مكلفة بمراقبة الانتخابات، كما أن حديثه عن «انتشار الفساد» يبقى جزءاً من توصيفه للمشهد ولا يثبت مسؤولية قانونية أو جنائية في حق شخص أو حزب بعينه.
وسبق للكنبوري أن دخل خلال الأسابيع الأخيرة على خط النقاش الانتخابي نفسه، عندما انتقد التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة بسبب انتقال الخلاف بينهما إلى العلن بعد خمس سنوات من مشاركتهما معاً في الأغلبية الحكومية.
وكان MarocActu24 قد تابع ذلك الموقف، الذي اعتبر فيه الكاتب أن الحزبين أصبحا يتبادلان الانتقادات بشأن الحصيلة والمسؤولية عنها رغم مشاركتهما معاً في الحكومة المنتهية ولايتها.
اقرأ أيضاً | «أكلتم من المائدة نفسها».. الكنبوري يضع الأحرار والبام أمام حساب 5 سنوات
وفي تدوينته الجديدة، ينتقل الكنبوري من نقد الأحزاب والحملة إلى سؤال أوسع يتعلق بالدولة نفسها وحدود ما تستطيع المؤسسات المنتخبة تقريره، إذ يرى أنه إذا كانت الانتخابات، حتى عندما تكون «تامة النزاهة»، لا تحسم في القضايا الكبرى للبلاد، فإن ذلك يضع، بحسب تصوره، مسؤوليات إضافية على عاتق الدولة.
وقال في هذا السياق: «إذا كانت الانتخابات لا تقرر في الأمور الكبيرة بالمغرب حتى لو كانت تامة النزاهة فهذا يعني أن للدولة مهام كبرى يتعين عليها القيام بها»، معتبراً أن «الإصلاح الحقيقي والفعلي يحتاج إلى الدولة».
وانتقد الكاتب في المقابل الرهان على الأحزاب في ظل الوضع الذي يصفه، وذهب إلى القول إن «رهان الدولة على الأحزاب يعني أنها تضع نفسها في مواجهة أزمات تتولد من هذه الأحزاب»، معتبراً أن الأحزاب أصبحت تنظر إلى «الحقائب الوزارية ومقاعد البرلمان على حساب هيبة الدولة ومصالحها».
ومن هذه الزاوية، يقدم الكنبوري الانتخابات باعتبارها مجرد أداة ضمن أدوات تدبير الدولة وليست غاية قائمة بذاتها، مشدداً على أن المغرب، في المرحلة الحالية، يحتاج بحسب تعبيره إلى «يقظة وليس إلى انتخابات تقنية تعتبر الأرقام هي الحل».
وأضاف: «الانتخابات وسيلة واحدة ولكن هذه الوسيلة تتعرض اليوم للفشل».
وختم الكنبوري تدوينته بمقارنة بين العمق التاريخي للدولة المغربية وعمر التجربة الانتخابية الحديثة، قائلاً: «إذا كانت الدولة ترى أن تاريخها يرجع إلى 12 قرنا فعليها أن تدرك بأن الانتخابات حديثة العهد تعود إلى 60 سنة فقط».
وأضاف أن «مثل هذه الانتخابات وهذه النخب السياسية الفاشلة والفاسدة سوف تجعل 12 قرنا مجرد رقم لا تاريخا».
وهذه الأوصاف بدورها تبقى جزءاً من موقف الكاتب وتقييمه السياسي للنخب والانتخابات، ولا ينبغي قراءتها باعتبارها حكماً مؤسساتياً على نزاهة انتخابات 23 شتنبر أو نتيجتها.
وبذلك، لا يقف موقف الكنبوري عند حدود انتقاد الأحزاب أو الحملة، بل يضع انتخابات 23 شتنبر ضمن نقاش أوسع حول وظيفة الاقتراع وعلاقة المؤسسات المنتخبة بالدولة وحدود قدرة الانتخابات على إنتاج الإصلاح الذي يتحدث عنه.
واختصر الكنبوري موقفه في الجملة الأخيرة من تدوينته: «السياسة التي تحطم تاريخ الشعوب ليست سياسة».
