الشمول المالي بالمغرب يعود إلى الواجهة من بوابة تقرير رسمي للبنك الدولي يكشف الحصيلة النهائية لسلسلة إصلاحات رافقتها ثلاثة تمويلات متتالية بقيمة إجمالية بلغت 1.4 مليار دولار، قبل أن تنتهي النتيجة العامة إلى تصنيف «Moderately Satisfactory»، أي «مرضٍ إلى حد ما»، بدل «Satisfactory».
ويتعلق الأمر بتقرير الإغلاق والتقييم النهائي رقم «ICR00403»، المؤرخ في 30 أبريل 2026 والمنشور للعموم في 22 ماي من السنة نفسها، تحت عنوان «Morocco – Third Financial and Digital Inclusion Development Policy Lending».
وباحتساب سعر صرف يقارب 9.47 دراهم للدولار في 14 شتنبر 2026، تعادل قيمة 1.4 مليار دولار نحو 13.25 مليار درهم، أي حوالي 1325 مليار سنتيم. وهذا تحويل تقريبي بالقيمة الجارية لتقريب حجم التمويل، وليس القيمة المحاسبية الرسمية للقروض وقت صرف كل دفعة.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – تقرير الإغلاق والتقييم ICR00403
وبدأت السلسلة في 22 يونيو 2020، عندما وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 500 مليون دولار لدعم إصلاحات الشمول المالي والتحول الرقمي.
وفي 17 يونيو 2021، جاءت العملية الثانية بقيمة 450 مليون دولار، قبل أن يوافق البنك في 31 مارس 2023 على تمويل ثالث بقيمة 450 مليون دولار، ليرتفع مجموع العمليات الثلاث إلى 1.4 مليار دولار.
ولا يمثل هذا الرقم جميع تمويلات البنك الدولي السابقة في مجال الشمول المالي والاقتصاد الرقمي بالمغرب، إذ سبقت هذه السلسلة عملية مستقلة بقيمة 700 مليون دولار سنة 2019.
كما أن 1.4 مليار دولار لم تكن ميزانية مشروع مادي واحد، بل جاءت ضمن «تمويل سياسات التنمية»، وهي آلية لدعم الميزانية مقابل تنفيذ إصلاحات وإجراءات وسياسات متفق عليها.
لذلك فإن السؤال الدقيق ليس: أين صُرف كل دولار؟ بل: إلى أي حد حققت الإصلاحات التي رافقتها هذه التمويلات النتائج والأهداف المعلنة؟
الشمول المالي بالمغرب.. ماذا تحقق بعد 1.4 مليار دولار؟
تقرير البنك الدولي لم يصنف السلسلة باعتبارها فاشلة، لكنه لم يمنحها أيضاً درجة «Satisfactory».
فقد حصلت النتيجة الإجمالية «Overall Outcome» على تقييم «Moderately Satisfactory»، كما حصلت ملاءمة الإجراءات الإصلاحية السابقة وفعالية تحقيق الأهداف وأداء البنك الدولي على التقييم نفسه.
وهذا يعني أن النتيجة كانت إيجابية، لكنها ظلت درجة واحدة دون مستوى «Satisfactory».
وفي المقابل، سجل البنك تقدماً في مجموعة من المؤشرات. ففي أبريل 2023، أعلن أن نسبة المغاربة المتوفرين على حساب ارتفعت من 29 في المائة سنة 2017 إلى 44 في المائة، بينما انتقلت نسبة استخدام الأداءات الرقمية من 17 إلى 30 في المائة.
كما أشار إلى وصول شبكات الأداء عبر الهاتف المحمول إلى 31 في المائة من المناطق القروية التي شملها المؤشر، ووجود 19 مزوداً لخدمات الأداء عبر الهاتف، وبلوغ قيمة الأداءات الرقمية ملياري درهم سنة 2021.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – مؤشرات العملية الثالثة
لكن المؤسسة سجلت أيضاً استمرار فجوة بين النساء والرجال في الولوج إلى الخدمات المالية بلغت 25 نقطة مئوية، إلى جانب الحاجة إلى توسيع استعمال وقبول وسائل الأداء الرقمية لدى التجار.
كما ظل عدد المستفيدين من التمويل الأصغر أدنى من أهداف الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي، التي كانت تستهدف 1.8 مليون مستفيد سنة 2023 وثلاثة ملايين في أفق 2030.
وتكتسب هذه الخلاصات أهمية إضافية عند مقارنتها بوثائق حديثة للصندوق الدولي للتنمية الزراعية «IFAD/FIDA»، مؤرخة في غشت 2026 ومعروضة على مجلس إدارته خلال دورته الـ148 المقررة يوم 15 شتنبر.
وتشير الوثائق إلى أن تحويلات مغاربة العالم بلغت خلال 2025 نحو 13 مليار دولار، أي قرابة 8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع استمرار اعتماد جزء من المستفيدين على النقد وعدم تحول تلقي التحويلات تلقائياً إلى استعمال واسع للحسابات والمحافظ الرقمية والادخار والخدمات المالية الرسمية.
كما تقترح المؤسسة دعم مشروعين مع شركتي «Cash Plus» و«Damane Cash» لتوسيع استقبال التحويلات رقمياً وربط المستفيدين مستقبلاً بمنتجات الادخار والقروض والتأمين.
ولا يتعلق الأمر بقروض جديدة للحكومة المغربية، ولا يعد دليلاً مباشراً على فشل سلسلة البنك الدولي، لكنه يكشف استمرار مسافة بين بناء الأطر القانونية والمؤسساتية وبين الاستخدام الفعلي للخدمات المالية من طرف المواطنين.
المصدر الرسمي | IFAD – DigitRemit Morocco
فتح حساب أو محفظة رقمية شيء، وتحويلها إلى وسيلة يومية للأداء والادخار شيء آخر. وتوسيع شبكة الأداء شيء، وإقناع المواطن والتاجر بالتقليل من الاعتماد على «الكاش» شيء آخر.
وكان MarocActu24 قد تابع تمويلين جديدين للبنك الدولي بقيمة إجمالية بلغت 650 مليون دولار لفائدة المغرب، من بين أهدافهما دعم التحول الرقمي وتعزيز الصمود أمام المخاطر.
اقرأ أيضاً | البنك الدولي يضخ 650 مليون دولار لدعم الرقمنة بالمغرب
كما تابع الموقع ملف السجل الاجتماعي الموحد، بعدما أظهرت بيانات البنك الدولي أن الجزء الأكبر من قرض بقيمة 70 مليون دولار ظل غير مسحوب إلى غاية مارس 2026، وهو ملف مستقل عن سلسلة الشمول المالي الحالية.
اقرأ أيضاً | قرض السجل الاجتماعي الموحد
وفي حالة الشمول المالي بالمغرب، نحن أمام سلسلة أُغلقت وأصبح لها تقييم نهائي رسمي: ثلاثة تمويلات بقيمة 1.4 مليار دولار، وتقدم في عدد من المؤشرات، مقابل فجوات استمرت في الاستخدام الفعلي والأداء الرقمي والتمويل الأصغر والفوارق بين النساء والرجال.
ويكشف تقييم البنك الدولي أن الشمول المالي بالمغرب لم يعد مرتبطاً فقط بفتح الحسابات أو توفير المحافظ الرقمية، بل بمدى استخدامها فعلياً في الأداء والادخار والتمويل.
فالتحدي الذي يواجه الشمول المالي بالمغرب اليوم هو تحويل البنية القانونية والرقمية المتوفرة إلى استعمال يومي واسع، خصوصاً لدى النساء وسكان القرى والمقاولات الصغيرة.
ولذلك تبقى نتائج الشمول المالي بالمغرب مرتبطة بقدرة الإصلاحات المقبلة على تقليص الفجوة بين توفر الخدمة والاستفادة الحقيقية منها.
وهو ما يجعل السؤال الأكثر دقة بعد صدور تقرير البنك الدولي هو: بعد 1.4 مليار دولار من التمويلات والإصلاحات، ما الذي حال دون وصول السلسلة إلى درجة «Satisfactory»، وما الذي ما يزال يحتاج إلى إصلاح جديد حتى تتحول الرقمنة من إطار قانوني ومؤسساتي إلى ممارسة اقتصادية يومية؟
