قبل ثمانية أيام فقط من الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تضع الديمقراطية في المغرب أمام اختبار جديد أرقام صادرة عن مؤسسة دولية متخصصة، بعدما أظهر أحدث تقرير لـ«International IDEA» أن المملكة تحتل المرتبة 99 عالمياً في المشاركة، بينما لا يزال أداؤها في سيادة القانون مصنفاً ضمن المستوى المنخفض.
ويتعلق الأمر بتقرير «حالة الديمقراطية في العالم 2026»، الذي أصدره المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، الثلاثاء 15 شتنبر 2026، تحت عنوان «الديمقراطية في عصر الصراع»، مستنداً أساساً إلى أحدث نسخة من مؤشرات «Global State of Democracy».
ويأتي نشر التقرير في قلب الحملة الانتخابية المغربية، التي انطلقت يوم 10 شتنبر وتنتهي ليلة 22 شتنبر، قبل توجه الناخبين يوم الأربعاء 23 شتنبر إلى صناديق الاقتراع لانتخاب 395 عضواً بمجلس النواب.
وتظهر أرقام الديمقراطية في المغرب صورة مركبة لا يمكن اختزالها في تقدم شامل أو تراجع شامل.
ففي مؤشر التمثيل السياسي، جاء المغرب في المرتبة 104 عالمياً، وفي الحقوق في المرتبة 75، بينما حل في المرتبة 97 في سيادة القانون، وفي المرتبة 99 في المشاركة.
المصدر الرئيسي | International IDEA – The Global State of Democracy 2026
ولا يمنح «International IDEA» الدول ترتيباً واحداً شاملاً تحت اسم «ترتيب الديمقراطية»، بل يفصل الأداء إلى أربعة مجالات كبرى هي التمثيل، والحقوق، وسيادة القانون، والمشاركة، ثم يفككها بدورها إلى مؤشرات أكثر دقة.
وتصنف بطاقة المغرب لدى المؤسسة أداء المملكة ضمن المستوى المتوسط في التمثيل والحقوق والمشاركة، بينما تضع سيادة القانون ضمن مستوى الأداء المنخفض.
وتزداد دلالة الأرقام عندما تنتقل القراءة من التصنيف العام إلى المؤشرات الفرعية.
فالمؤسسة تضع المغرب ضمن الربع الأخير عالمياً في ثلاثة مجالات فرعية هي المشاركة الانتخابية، والديمقراطية المحلية، وحرية الدين.
وهو ما يجعل رقم المشاركة الانتخابية شديد الحساسية سياسياً في توقيت تستعد فيه البلاد لانتخابات تشريعية جديدة، بعدما جعلت الأحزاب والحكومة من إشراك الشباب والنساء واستعادة الثقة السياسية عناصر مركزية في خطاب الإصلاح الانتخابي.
الديمقراطية في المغرب.. المشاركة تبقى عند المرتبة 99 عالمياً
وتكشف جداول التقرير أيضاً أن قراءة التغير السنوي تحتاج إلى قدر من الحذر.
فالمغرب تقدم بثلاث مراتب في مؤشر التمثيل مقارنة بالترتيب السابق، ليصل إلى المرتبة 104، كما تقدم بثلاث مراتب في الحقوق إلى المرتبة 75، ومرتبتيْن في سيادة القانون إلى المرتبة 97.
أما المشاركة، وهي المجال الأكثر ارتباطاً بالحضور الفعلي للمواطنين في الحياة السياسية والانتخابات، فظل ترتيب المغرب فيه دون تغيير عند المرتبة 99 عالمياً.
ويشدد التقرير نفسه على أن تغير المراتب من سنة إلى أخرى لا ينبغي قراءته بصورة آلية، لأن لكل نتيجة هامشاً من عدم اليقين، ولأن جزءاً من التحركات في الترتيب لا يعكس بالضرورة تحولاً ذا دلالة إحصائية في الأداء الفعلي.
وهذه الملاحظة مهمة لأنها تمنع تحويل تقدم أو تراجع بضع مراتب إلى حكم سياسي أكبر مما تسمح به البيانات.
لكن بقاء المغرب ضمن الربع الأخير عالمياً في المشاركة الانتخابية يظل في حد ذاته معطى يستحق التوقف، خصوصاً مع اقتراب اختبار 23 شتنبر.
وكان MarocActu24 قد توقف قبل أيام عند مؤشرات أخرى صادرة عن «Freedom House»، وضعت بدورها البيئة السياسية والمؤسساتية للمغرب تحت المجهر قبل الاستحقاق التشريعي.
اقرأ أيضاً | تقرير Freedom House عن المغرب.. 37/100 و1/4 للشفافية
وبحسب منهجية «International IDEA»، لا تُقاس المشاركة فقط بوجود انتخابات أو أحزاب، بل بمدى استخدام المواطنين فعلياً لقنوات المشاركة السياسية، بما فيها التصويت والانخراط المدني والسياسي.
وتعتمد المؤشرات على شبكة واسعة من البيانات الدولية والأكاديمية. وتوضح نسخة 2026 من المنهجية أن قاعدة «GSoD» تستند إلى 155 مؤشراً مأخوذاً من 23 مصدراً مختلفاً، وتغطي في نسختها الحالية 174 دولة خلال الفترة الممتدة إلى سنة 2025.
أما «Democracy Tracker»، الذي يرصد التطورات السياسية النوعية شهراً بشهر، فيغطي 173 دولة.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين التقرير السنوي المبني أساساً على بيانات 2025 وبين الأحداث السياسية الجارية خلال سنة 2026.
فالأرقام المنشورة اليوم لا تمثل تقييماً لانتخابات 23 شتنبر التي لم تجر بعد، ولا يجوز تحويلها إلى حكم مسبق على نزاهة الاقتراع أو نتائجه.
لكنها تقدم مؤشرات على البيئة السياسية والمؤسساتية التي يدخل فيها المغرب هذه الانتخابات.
وتزداد أهمية هذه الخلفية مع التعديلات التي دخلت خلال يناير 2026 على القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية.
فالقانون التنظيمي رقم 54.25، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير، أدخل شروطاً جديدة على تأسيس الأحزاب، من بينها اشتراط توقيع 12 عضواً مؤسساً يمثل كل واحد منهم إحدى جهات المملكة، على أن تضم هذه المجموعة أربع نساء على الأقل.
كما أصبح تأسيس حزب جديد يتطلب ما لا يقل عن ألفي عضو مؤسس، موزعين على الجهات الاثنتي عشرة، مع اشتراط ألا تقل نسبة كل من الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة والنساء عن خمس عدد الأعضاء المؤسسين.
وتوقف «International IDEA» عند هذه النقطة تحديداً، معتبراً أن تطبيق شروط التأسيس الجديدة على الأحزاب التي ستنشأ مستقبلاً دون الأحزاب القائمة قد يؤدي إلى «uneven playing field»، أي إلى اختلاف في شروط دخول المنافسة السياسية بين تنظيم جديد وحزب موجود أصلاً.
ولا يشكل ذلك حكماً من المؤسسة على نزاهة انتخابات 2026 ولا اتهاماً بعدم تكافؤ الاقتراع في مجمله.
الملاحظة تتعلق تحديداً بشروط تأسيس الأحزاب الجديدة ودخولها إلى المجال الحزبي.
وفي المقابل، جاء الإصلاح بمقتضيات أخرى مرتبطة بالحكامة الحزبية، بينها إلزام الأحزاب بعقد مؤتمر وطني عادي مرة واحدة على الأقل كل أربع سنوات، ورفع السقف السنوي للهبات والتبرعات المقدمة من الشخص الذاتي الواحد إلى 800 ألف درهم، إلى جانب مقتضيات مرتبطة بالمراقبة المالية.
كما وسع القانون حالات المنع من تأسيس الأحزاب أو الانخراط فيها لتشمل الأطر والموظفين التابعين لوزارة الداخلية أو العاملين بها بمختلف هيئاتهم أثناء مزاولة مهامهم فعلياً.
وتدخل انتخابات 2026 بدورها في ظل ترسانة قانونية انتخابية جديدة، سبق أن تابع MarocActu24 تفاصيلها، بعدما شملت التعديلات 28 مادة من أصل 32 مادة مرتبطة بالعقوبات والجرائم الانتخابية.
اقرأ أيضاً | 28 من 32 مادة تغيّرت.. انتخابات 2026 بمعزل مكشوف وحبس يصل إلى 5 سنوات لشراء الأصوات
«ولا تتوقف قراءة الديمقراطية في المغرب، وفق التقرير، عند مؤشر المشاركة وحده.
فسيادة القانون تظل المجال الوحيد من بين المجالات الأربعة الذي يصنف فيه أداء المغرب ضمن المستوى المنخفض، رغم تحسن موقعه في الترتيب العالمي إلى المرتبة 97.
ويضم هذا المحور مؤشرات تتعلق باستقلال القضاء، وغياب الفساد، وقابلية توقع تطبيق القانون، والسلامة الشخصية والأمن.
وتعرف المؤسسة سيادة القانون باعتبارها مرتبطة بتطبيق القواعد بصورة متوقعة ومتساوية وبوجود قيود فعلية على ممارسة السلطة الحكومية، وليس فقط بوجود النصوص القانونية في حد ذاتها.
أما الحقوق، التي يحتل فيها المغرب المرتبة 75 عالمياً، والتمثيل السياسي في المرتبة 104، فيوجدان ضمن مستوى الأداء المتوسط بحسب تصنيف المؤسسة.
وهكذا لا يقدم تقرير 2026 عن الديمقراطية في المغرب صورة أحادية يمكن توظيفها للحديث عن تقدم أو تراجع شامل.
المعطيات أدق من ذلك.
هناك تحسن في ترتيب بعض المجالات، لكن سيادة القانون ما تزال في خانة الأداء المنخفض، والمشاركة مستقرة عند المرتبة 99، والمغرب موجود ضمن الربع الأخير عالمياً في المشاركة الانتخابية والديمقراطية المحلية.
وتكتسب هذه الأرقام معناها السياسي الكامل قبل أيام من اقتراع 23 شتنبر.
فالحكومة والأحزاب غير مطالبة فقط بإظهار ارتفاع عدد الشباب والنساء في اللوائح أو تعدد التعديلات القانونية التي أدخلت على المنظومة الانتخابية.
الاختبار الفعلي سيكون في حجم المشاركة يوم الاقتراع، وفي قدرة المؤسسات التي ستفرزها الصناديق على تقوية الثقة السياسية وتحويل المشاركة من مقتضيات قانونية إلى ممارسة فعلية.
وبين المرتبة 99 عالمياً في المشاركة، والوجود ضمن الربع الأخير في المشاركة الانتخابية، واستمرار سيادة القانون ضمن مستوى الأداء المنخفض، تضع الديمقراطية في المغرب أمام اختبار لا يمكن حسمه بالنصوص وحدها.
وسيبدأ الجواب الأول يوم 23 شتنبر، عندما يتضح كم من المواطنين قرروا بالفعل استعمال حقهم في التصويت.
