رفع عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مساء الأحد 13 شتنبر 2026 بطنجة، سقف المواجهة الانتخابية مع عزيز أخنوش إلى واحد من أعلى مستوياته خلال الحملة الحالية، مستدعياً ملفات المحروقات وتحلية مياه البحر والمال العام، قبل أن يفتح جبهة أخرى مع الأصالة والمعاصرة وإدريس لشكر.
بنكيران في طنجة لم يقدم خطابه باعتباره مجرد منافسة بين برامج انتخابية قبل اقتراع 23 شتنبر، بل وصف الانتخابات بأنها «معركة خطيرة وحاسمة»، وذهب إلى أن البلاد تواجه مرحلة تفرض، وفق قراءته، إعادة بناء الثقة ومحاسبة المسؤولين عن تدبير المال والسياسات العمومية.
وأكد الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية أن بنكيران شدد خلال مهرجان طنجة على أن «الدولة هي الثقة»، وأن الحفاظ على الاستقرار يجب أن يسير بالتوازي مع الإصلاح، بينما نقلت تغطيات مستقلة ثقته في قدرة حزبه على المنافسة على الصدارة وطنياً وطموحه في الفوز بمقعدين على الأقل في طنجة.
المصدر | حزب العدالة والتنمية – كلمة بنكيران من طنجة
بنكيران في طنجة يفتح ملفات أخنوش والمحروقات و280 مليار درهم
أشد فقرات الخطاب جاءت عند انتقال بنكيران مباشرة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، إذ أعاد وضع العلاقة بين المال والسلطة في قلب حملته، وكرر توصيفه لأخنوش باعتباره «تاجر ريع»، في سياق هجوم سياسي يعتبر فيه أن ممارسة الحكم لا ينبغي أن تخضع لمنطق التجارة وتحقيق المصالح.
وعاد الأمين العام للعدالة والتنمية إلى ملف المحروقات، مستحضراً رقم 17 مليار درهم، أي 1700 مليار سنتيم، الذي ارتبط منذ سنوات بالنقاش البرلماني والسياسي حول الأرباح الإضافية لشركات المحروقات بعد تحرير الأسعار.
غير أن الدقة تفرض الفصل بين هذا الرقم وبين ما انتهت إليه المسطرة الرسمية لمجلس المنافسة.
فرقم 17 مليار درهم ظل موضع نقاش سياسي وبرلماني، ولا يمثل حكماً قضائياً يثبت أن عزيز أخنوش استولى شخصياً على هذا المبلغ.
أما المعطى الرسمي الثابت، فهو أن مجلس المنافسة أعلن في نونبر 2023 المصادقة على اتفاقات صلح مع شركات تنشط في سوق تموين وتخزين وتوزيع الغازوال والبنزين ومنظمتها المهنية، مقابل تسوية إجمالية بلغت 1.840.410.426 درهماً، إلى جانب تعهدات مرتبطة باحترام قواعد المنافسة.
ولا يتضمن البلاغ الرسمي للمجلس حكماً قضائياً شخصياً بإدانة أخنوش، ولذلك يبقى تحميله شخصياً مسؤولية المبالغ التي يتحدث عنها بنكيران موقفاً سياسياً يتحمل صاحبه مسؤوليته.
المصدر الرسمي | مجلس المنافسة – اتفاقات الصلح في سوق المحروقات
ولم يتوقف بنكيران عند المحروقات.
فقد أعاد ملف مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء إلى الواجهة، متحدثاً عن «260 مليار سنتيم»، أي 2.6 مليار درهم، ومعتبراً أن هذا المبلغ ارتبط، وفق روايته، بدعم كان سيستفيد منه المشروع الذي توجد ضمن تجمع الشركات الفائزة به شركات مرتبطة بالمجموعة الاقتصادية لعائلة أخنوش.
وقال بنكيران إن أخنوش مطالب بالحساب بشأن هذا الملف، وذهب خلال خطاب طنجة إلى القول إن رئيس الحكومة مطالب بإعادة المبلغ، متحدياً إياه باللجوء إلى القضاء إذا كانت الاتهامات التي يكررها غير صحيحة. وتؤكد تغطية مهرجان طنجة أن ملف «260 مليار» كان فعلاً من أبرز محاور هجومه.
لكن الرواية الحكومية تقابل ذلك بموقف مختلف.
فقد أكد الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار، كريم زيدان، في تصريحات سابقة، أن الشركة الفائزة بمشروع التحلية «لم تطلب دعماً مالياً عمومياً ولم تستفد منه»، وقال إن ذلك مثبت بمحاضر اللجنة الوطنية للاستثمارات، مع التمييز بين الدعم المالي وبين الإعفاءات الضريبية والجمركية التي تخضع لها المشاريع الكبرى وفق القواعد القانونية المعمول بها.
وبالتالي، لا تسمح المعطيات المتاحة بتقديم اتهام بنكيران بشأن 260 مليار سنتيم باعتباره حقيقة قضائية محسومة، بل يتعلق الأمر برواية سياسية تواجهها رواية حكومية مضادة، في غياب قرار قضائي منشور يحسم النزاع لمصلحة أحد الطرفين.
وكان MarocActu24 قد دقق سابقاً الملف نفسه، وفصل بين اتهامات بنكيران والمعطيات الرسمية المتاحة بشأن المحروقات ومحطة التحلية.
اقرأ أيضاً | «260 مليار» والمحروقات.. بنكيران يهاجم أخنوش وثروته
لكن الرقم الأثقل في خطاب بنكيران في طنجة لم يكن 17 مليار درهم ولا 260 مليار سنتيم.
فقد توقف طويلاً عند تصريح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، بشأن إنفاق نحو 280 مليار درهم خلال الولاية الحكومية الحالية لدعم القدرة الشرائية.
وكان لقجع قد قال خلال دفاعه عن البرنامج الانتخابي لحزبه إن الحكومة صرفت 280 مليار درهم خلال الولاية الحالية لحماية القدرة الشرائية «دون فائدة»، في معرض رده على الانتقادات الموجهة إلى الكلفة المالية لوعود البام.
و280 مليار درهم تعادل 28 ألف مليار سنتيم، وهو رقم وضعه بنكيران في قلب مرافعة سياسية تطالب بالمحاسبة عن الأثر الفعلي لهذا الإنفاق.
واعتبر رئيس الحكومة الأسبق أن الحديث عن تعبئة هذا الحجم من الأموال، بالتوازي مع استمرار شكاوى المواطنين من الأسعار وكلفة المعيشة، يجعل السؤال عن النتائج مشروعاً، وطالب بمساءلة المسؤولين عن كيفية صرف هذه الاعتمادات والنتائج التي تحققت مقابلها.
وذهب بنكيران أبعد، واعتبر تصريح لقجع «اعترافاً خطيراً» يستوجب، بحسب موقفه، المحاسبة، وهي العبارة التي نقلتها أيضاً التغطيات المنشورة لمهرجان طنجة.
وهنا يتحول رقم 280 مليار درهم إلى واحد من أخطر أسلحة الحملة الحالية؛ لأنه لم يصدر في الأصل عن المعارضة، وإنما استحضره مسؤول حكومي وقيادي في حزب من الأغلبية، قبل أن يستخدمه بنكيران ضد الحكومة والأغلبية نفسها.
وبالنسبة إلى بنكيران، يصبح السؤال: إذا أنفقت الدولة 280 مليار درهم لحماية القدرة الشرائية، فما الأثر الذي حصل عليه المواطن مقابل هذا الحجم من الإنفاق؟
ولم يترك بنكيران حزب الأصالة والمعاصرة خارج دائرة الهجوم، إذ رفض حصر المنافسة على صدارة الانتخابات بين «البام» و«الأحرار»، ووجه للحزب اتهامات سياسية شديدة مرتبطة بما يسميه «التحكم» ومحاولات إضعاف العدالة والتنمية.
وهذه التوصيفات بدورها مواقف حزبية صادرة عن بنكيران، وليست أحكاماً قضائية أو توصيفات صادرة عن مؤسسة رسمية.
الجبهة الثالثة في خطاب طنجة كانت إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي.
بنكيران رد بعنف على انتقادات لشكر لتجربة حكومته، واعتبر أن الاتحاد الاشتراكي الحالي لم يعد، في نظره، امتداداً للاتحاد المرتبط بأسماء عبد الرحيم بوعبيد وعبد الواحد الراضي ومحمد اليازغي.
ثم انتقل إلى اتهام أكثر حساسية عندما لمح إلى أن هجوم لشكر عليه «مؤدى عنه»، وهو اتهام سياسي خطير لا توجد ضمن المعطيات المنشورة وثيقة تثبته، ولذلك يبقى على مسؤولية بنكيران وحده. وقد أكدت تغطيات مستقلة أن هذه الاتهامات صدرت فعلاً خلال مهرجان طنجة.
واستعاد بنكيران كذلك خلافه مع لشكر خلال أزمة تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016، ووصفه بـ«الغدار»، رابطاً موقفه آنذاك بما عرف إعلامياً بـ«البلوكاج» الذي انتهى بإعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة.
وفي مقابل لهجته الهجومية تجاه خصومه، حرص بنكيران على التأكيد أن حزبه لا يخوض صراعاً مع الملكية أو الدولة.
وشدد على أن العدالة والتنمية اختار الإصلاح داخل الاستقرار، وأن خلافه، وفق تعبيره، مع من يعتبرهم مستفيدين من الفساد والمال العام وليس مع المؤسسة الملكية.
ومن هنا جاءت واحدة من أكثر أفكار خطاب طنجة وضوحاً: «الدولة هي الثقة».
فبنكيران يرى أن الدولة لا تقوم فقط على مؤسسات القوة والإدارة، وإنما على قدرة المواطن على الثقة في أن المال العام يدبر للمصلحة العامة وأن صوته الانتخابي يمكن أن يغير من يتولى المسؤولية.
ودافع رئيس الحكومة الأسبق أيضاً عن حصيلة حزبه، قائلاً إن مسؤولي العدالة والتنمية غادروا الحكومة «مرفوعي الرأس» وإن الحزب لم تنته تجربته، بحسب تعبيره، بملفات اختلاس للمال العام.
كما عاد إلى قرارات مثيرة للجدل اتخذها عندما كان رئيساً للحكومة، وفي مقدمتها إصلاح أنظمة التقاعد، رافضاً التنصل من مسؤوليته عنها، ومقدماً إياها باعتبارها قرارات صعبة اتخذت لتفادي انهيار الصناديق.
واستحضر كذلك إصلاح صندوق المقاصة، معتبراً أن الهدف كان الانتقال من دعم المواد الذي تستفيد منه مختلف الفئات إلى توجيه الموارد نحو الفئات المحتاجة.
وانتقل بنكيران في جزء آخر من كلمته إلى الوضع الاجتماعي والأسرة، محذراً من تراجع الزواج والخصوبة وصعوبة وصول الشباب إلى السكن والعمل والاستقرار، ومعتبراً أن السياسات العمومية لا يمكن تقييمها فقط بالأرقام الكبرى، بل بقدرتها على تمكين الشباب من بناء حياة مستقرة.
غير أن نهاية الخطاب أعادت الجميع إلى التاريخ الذي يدور حوله كل هذا التصعيد: 23 شتنبر 2026.
بنكيران دعا أنصاره إلى اعتبار الاقتراع لحظة للمحاسبة وليس مجرد موعد انتخابي دوري، وقال إن حزبه ينافس على المرتبة الأولى وطنياً، كما عبر عن طموحه في تحقيق أكثر من مقعد في طنجة.
وكان MarocActu24 قد تابع خلال الأيام الماضية تصعيد بنكيران المتكرر ضد أخنوش، بما في ذلك مطالبته بمثوله أمام القضاء والفصل بين تلك المطالب السياسية وبين المعطيات الرسمية المتعلقة بملف المحروقات.
اقرأ أيضاً | ابن كيران يطالب بمحاكمة أخنوش.. ماذا تقول الأرقام الرسمية؟
خطاب بنكيران في طنجة لم يكن إذاً مجرد محطة أخرى في جولة انتخابية.
لقد جمع في كلمة واحدة ثلاثة مستويات من المواجهة: أخنوش أمام ملفات المال والسلطة، والأصالة والمعاصرة أمام رقم 280 مليار درهم وتصريحات لقجع، ولشكر أمام اتهامات سياسية وشخصية ثقيلة.
لكن المسافة بين الخطاب الانتخابي والإثبات القانوني تبقى أساسية.
فلا رقم 17 مليار درهم يثبت استيلاء أخنوش شخصياً على هذا المبلغ، ولا رواية 260 مليار سنتيم حسم فيها حكم قضائي منشور، ولا اتهام لشكر بتلقي مقابل مالي يمكن اعتباره حقيقة دون دليل.
المؤكد سياسياً هو أن بنكيران قرر، قبل عشرة أيام فقط من اقتراع 23 شتنبر، تحويل الحملة إلى سؤال مباشر عن المال والحكم والثقة والمحاسبة.
والمؤكد رقمياً أن 280 مليار درهم أصبحت الآن في قلب المواجهة بعدما خرج الرقم من داخل الأغلبية نفسها.
أما الحكم النهائي على حصيلة الحكومة وعلى خطاب خصومها، فيريد بنكيران أن يصدر هذه المرة من مكان واحد: صندوق الاقتراع.
