برنامج العدالة والتنمية 2026 دخل الحملة التشريعية لموعد 23 شتنبر بوثيقة تقدم نفسها باعتبارها تشخيصاً دقيقاً لحصيلة الحكومة ومرجعاً لمحاسبتها بالأرقام، غير أن تدقيق الصفحات المخصصة للمالية العمومية يكشف مفارقتين حسابيتين واضحتين، يصل مجموع الفارق بين الأرقام المفصلة والخلاصات الواردة في الوثيقة إلى 13.79 مليار درهم.
ويتعلق الأمر بالبرنامج الانتخابي الرسمي للحزب، الممتد على 101 صفحة، والذي جرى تقديمه يوم 7 شتنبر 2026، ويتضمن ضمن قسم التشخيص الرقمي مجموعة من المؤشرات المتعلقة بالمالية العمومية والمديونية ومساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية وفتح الاعتمادات الإضافية.
الملاحظة الأولى تظهر في الجدول المتعلق بمراسيم فتح اعتمادات إضافية لفائدة الميزانية العامة.
فالبرنامج يسرد ست عمليات نفذتها الحكومة بين 2022 و2026، بقيمة 16 مليار درهم في يونيو 2022، و12 ملياراً في أكتوبر من السنة نفسها، و10 مليارات في ماي 2023، و14 ملياراً في يونيو 2024، و13 ملياراً في أبريل 2025، ثم 20 مليار درهم في ماي 2026.
غير أن جمع هذه الأرقام يعطي:
16 + 12 + 10 + 14 + 13 + 20 = 85 مليار درهم.
الوثيقة، في المقابل، تقول إن مجموع المراسيم بلغ 90 مليار درهم.
الفارق هو 5 مليارات درهم، أي 500 مليار سنتيم.
ولا يتعلق الأمر باختلاف بين أرقام حكومية وأرقام للمعارضة، ولا بتقدير اقتصادي أو بطريقة مختلفة لاحتساب مؤشر مالي، وإنما بمجموع حسابي مباشر للأرقام التي وضعها الحزب نفسه داخل الجدول.
المصدر الرئيسي | البرنامج الانتخابي الرسمي لحزب العدالة والتنمية 2026
ويأتي تدقيق هذه الأرقام في سياق انتخابي أصبحت فيه المالية العمومية وتمويل الأحزاب واستعمال المال العام من أبرز محاور المنافسة قبل اقتراع 23 شتنبر.
اقرأ أيضاً | 45 مليار سنتيم لحملات 2026.. وآخر تحيين رقابي سجل 2.185 مليار سنتيم بذمة 14 حزباً
برنامج العدالة والتنمية.. 101 ملياراً لا تساوي 109.79
المفارقة الحسابية الثانية تظهر قبل ذلك داخل الصفحة الخاصة بمساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحديداً حصيلة مؤسسات الاحتكار والاستغلالات والمساهمات المالية للدولة.
برنامج العدالة والتنمية يضع حصيلة هذه المساهمات خلال الولاية الحكومية 2012-2016 في 52.61 مليار درهم، ثم يحدد مساهمات الولاية 2017-2021 في 57.18 مليار درهم.
وبجمع الرقمين نحصل على:
52.61 + 57.18 = 109.79 مليارات درهم.
بعد ذلك مباشرة، تقدر الوثيقة مساهمات الولاية الحالية 2022-2026 بما يناهز 101 مليار درهم، وتقول إن هذه الحصيلة «تساوي» ما ساهمت به المؤسسات خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين.
لكن 101 مليار درهم لا تساوي 109.79 مليارات.
الفارق يبلغ 8.79 مليارات درهم، أي 879 مليار سنتيم، وتمثل 101 مليار درهم رقماً يقل بنحو 8 في المائة عن مجموع حصيلة الولايتين كما أوردها الحزب نفسه.
وبذلك يصبح أمام الوثيقة فارقان حسابيان منفصلان: 5 مليارات درهم في ملف الاعتمادات الإضافية، و8.79 مليارات في مقارنة مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية.
ومجموعهما الحسابي يبلغ 13.79 مليار درهم، أي 1379 مليار سنتيم.
ويجب التشديد هنا على أن هذا الرقم لا يمثل أموالاً مفقودة أو خسارة للميزانية أو اختلاساً، وإنما هو فقط مجموع الفارق الحسابي بين الأرقام المفصلة والنتائج أو المقارنات التي صاغتها الوثيقة الانتخابية.
المفارقة لا تتوقف عند الحساب.
فالبرنامج اعتبر لجوء الحكومة المتكرر إلى مراسيم فتح الاعتمادات الإضافية، والبالغ وفق تقديره 90 مليار درهم، خرقاً للفصل 70 من الدستور ولمقتضيات من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية.
غير أن العودة إلى النص الرسمي للقانون التنظيمي تكشف أن المادة 60 تنص صراحة على أنه يمكن، طبقاً للفصل 70 من الدستور، وفي حالة ضرورة ملحة وغير متوقعة ذات مصلحة وطنية، فتح اعتمادات إضافية بمرسوم أثناء السنة، مع إخبار اللجنتين المكلفتين بالمالية في البرلمان مسبقاً.
وهذا يعني أن إصدار مرسوم لفتح اعتمادات إضافية ليس، بمجرده، مخالفة تلقائية للقانون، لأن القانون التنظيمي نفسه أنشأ هذه الإمكانية وحدد شروط استعمالها.
المناقشة القانونية والسياسية المشروعة تبدأ من سؤال آخر: هل كانت كل حالة من الحالات التي لجأت فيها الحكومة إلى هذه الآلية تستجيب فعلاً لشروط الضرورة الملحة والطابع غير المتوقع والمصلحة الوطنية؟
ويمكن للعدالة والتنمية أن ينازع في توفر هذه الشروط، أو يعتبر أن تكرار استعمال الآلية أفرغ الاستثناء من طبيعته الاستثنائية، لكن إثبات الخرق يقتضي فحص ظروف وأسباب كل مرسوم، وليس الاكتفاء بالقول إن فتح الاعتمادات بمرسوم يشكل في حد ذاته خرقاً.
وتزداد الملاحظة أهمية لأن الوثيقة تشير أيضاً إلى المادة 25 من القانون التنظيمي لقانون المالية، بينما تنظم هذه المادة أساساً أهداف الحسابات الخصوصية للخزينة، ولا تتضمن حظراً عاماً لفتح اعتمادات إضافية لفائدة الميزانية العامة.
أما المادة التي تتناول فتح الاعتمادات الإضافية مباشرة فهي المادة 60، وهي تجيز هذه الآلية ضمن الشروط المذكورة.
وسبق لوزارة الاقتصاد والمالية أن قدمت أمام لجنتي المالية بالبرلمان مراسيم لفتح اعتمادات إضافية على أساس الفصل 70 والمادة 60، من بينها مراسيم سنة 2022، كما استند فتح 14 مليار درهم إضافية سنة 2024 إلى الأساس القانوني نفسه.
وبالتالي، فإن الاعتراض الأقوى على الحكومة لا يكمن في إنكار وجود الآلية قانوناً، بل في مساءلة مبررات استخدامها ومدى احترام الحكومة للطابع الاستثنائي الذي حدده القانون.
المصدر الرسمي | القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية – الأمانة العامة للحكومة
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – فتح اعتمادات إضافية وتطبيق المادة 60
وتكتسب هذه الملاحظات وزناً سياسياً أكبر لأن برنامج العدالة والتنمية يجعل من تدقيق مالية الحكومة وحسن تدبير الموارد العمومية جزءاً أساسياً من تشخيصه الانتخابي.
كما أن قيادات الحزب بنت جزءاً مهماً من حملتها الحالية على محاسبة الحكومة في ملفات الإنفاق العمومي والمحروقات والدعم وتداخل المال والسياسة.
اقرأ أيضاً | ابن كيران يطالب بمحاكمة أخنوش ويتهمه بـ«الطمع في أموال الدولة والمجتمع»
ولا تنفي الأخطاء الحسابية وجود نقاش سياسي مشروع حول حجم الإنفاق الحكومي أو المديونية أو مردودية المؤسسات العمومية أو استعمال الاعتمادات الإضافية، لكنها تطرح سؤالاً مباشراً حول مستوى تدقيق الوثيقة التي يفترض أن تؤسس لهذا النقاش.
فحين يقدم حزب سياسي أرقاماً لمحاسبة خصومه، تصبح دقة تلك الأرقام جزءاً من مصداقية المرافعة نفسها.
وفي النهاية، يمكن الاختلاف حول السياسات والاختيارات والفرضيات الاقتصادية، ويمكن للحكومة والمعارضة أن تقدما قراءات متناقضة للحصيلة نفسها، لكن الحساب يبقى أقل قابلية للتأويل السياسي:
85 مليار درهم لا تساوي 90 ملياراً.
و101 مليار درهم لا تساوي 109.79 مليارات.
وتلك، قبل أن تكون معركة انتخابية، مسألة أرقام منشورة داخل برنامج العدالة والتنمية نفسه.
