لقجع ينتقد المسار الحكومي من داخل الحكومة نفسها. فقبل 13 يوماً فقط من انتخابات 23 شتنبر 2026، اعتبر فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن «المسار الحكومي الحالي» جعل قفة الأسرة المغربية صعبة ودفع الشباب إلى الهجرة، فاتحاً بذلك واحداً من أكثر الأسئلة إحراجاً داخل الأغلبية: من يتحمل مسؤولية المسار الذي يدعو أحد وزرائه اليوم إلى تغييره؟

وجاء تصريح لقجع خلال لقاء جماهيري نظمه حزب الأصالة والمعاصرة بمدينة مراكش مساء الأربعاء 9 شتنبر، قبل أن ينشر الحزب في اليوم الموالي تغطية رسمية لمداخلته، أكد فيها أن الوزير توقف عند الضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة والصعوبات التي تواجه الشباب في الولوج إلى الشغل والاستقرار داخل المغرب.

وتكشف تغطيات اللقاء العبارة الأكثر وضوحاً في خطاب لقجع، حين قال إن الحزب يريد «تغيير المسار» لأن المسار الحكومي الحالي جعل قفة الأسرة المغربية صعبة، وربطه أيضاً بدفع الشباب إلى الهجرة.

المصدر الرسمي | حزب الأصالة والمعاصرة — كلمة فوزي لقجع بمراكش، 10 شتنبر 2026

توثيق العبارة المباشرة | هسبريس — لقاء مراكش، 9 شتنبر 2026

غير أن ثقل هذا الكلام لا يعود فقط إلى محتواه الاجتماعي، بل إلى موقع صاحبه داخل السلطة التنفيذية.

فلقجع لا يتحدث من مقاعد المعارضة، ولا بصفته قيادياً حزبياً بعيداً عن القرار الحكومي، بل يشغل رسمياً منصب الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، وفق الهيكل التنظيمي المنشور حالياً على الموقع الرسمي لوزارة الاقتصاد والمالية.

وهو موقع جعله حاضراً طوال الولاية في ملفات تنفيذ الميزانية وقوانين المالية والتصفية والتمويل العمومي، بما يجعل انتقاده لـ«المسار الحكومي الحالي» صادراً من مسؤول يوجد داخل أحد المراكز الأساسية لصناعة وتنفيذ الاختيارات المالية للحكومة، مع بقاء المسؤولية الحكومية بطبيعتها جماعية وموزعة بين مختلف القطاعات والمكونات السياسية.

المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية — الهيكل التنظيمي

لقجع ينتقد المسار الحكومي بعد «نتائج اجتماعية باهرة»

المفارقة تصبح أشد وضوحاً عند العودة أقل من شهرين إلى الوراء.

ففي 21 يوليوز 2026، نشر حزب الأصالة والمعاصرة بلاغاً رسمياً عقب اجتماع مكتبه السياسي، عبّر فيه عن «الاعتزاز بالحصيلة الحكومية الإيجابية»، وقال إنها حققت «طفرة اقتصادية وتنموية ملموسة» و«نتائج اجتماعية باهرة»، رغم الظرفية الدولية والمناخية الصعبة.

لم يكن الأمر تصريحاً فردياً لمسؤول حزبي عابر، بل موقفاً صادراً عن المكتب السياسي للحزب الذي ينتمي إليه لقجع اليوم بصفته عضواً في الهيئة نفسها.

وبعد نحو سبعة أسابيع فقط، ينتقل الخطاب من الحديث عن «نتائج اجتماعية باهرة» إلى القول إن المسار الحكومي الحالي جعل «قفة الأسرة المغربية صعبة» ودفع الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد.

المصدر الرسمي | حزب الأصالة والمعاصرة — بلاغ المكتب السياسي، 21 يوليوز 2026

هذا التحول لا يعني أن لقجع أعلن تنصله من الحكومة، ولا أنه حمّلها بصورة صريحة المسؤولية المطلقة عن الغلاء أو الهجرة أو البطالة، كما لم يعلن استقالته أو القطيعة مع التجربة التي شارك فيها.

لكنه يضع أمام الناخب مفارقة سياسية يصعب تجاوزها: كيف يمكن لحزب أن يصف في يوليوز النتائج الاجتماعية للحكومة بـ«الباهرة»، ثم يجعل في شتنبر من صعوبة قفة الأسر وهجرة الشباب مبرراً مركزياً لـ«تغيير المسار»؟

السؤال يصبح أكثر إلحاحاً لأن ملفات الأسعار والأجور والضرائب والدعم الاجتماعي والنفقات العمومية والاستثمار العمومي لم تكن ملفات هامشية خلال الولاية، بل شكلت قلب قوانين المالية والسياسات الحكومية التي شاركت مكونات الأغلبية في إعدادها والمصادقة عليها والدفاع عنها.

ولا يعني ذلك أن وزير الميزانية يتحمل منفرداً حصيلة الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، لأن القرارات الحكومية والمؤسساتية تتداخل فيها رئاسة الحكومة والوزارات والأغلبية والبرلمان وعوامل اقتصادية خارجية، لكنه في الوقت نفسه ليس مراقباً خارجياً للمسار الذي ينتقد نتائجه اليوم.

وقد أكدت وزارة الاقتصاد والمالية هذه الصفة مرة أخرى خلال يوليوز الماضي عندما شارك لقجع، بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، في مناقشة مشروع قانون التصفية المتعلق بتنفيذ ميزانية سنة 2024 أمام البرلمان.

المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية — قانون التصفية 2024

وتتزامن هذه التصريحات مع انتقال حزب الأصالة والمعاصرة تدريجياً من الدفاع عن حصيلة الأغلبية إلى جعل «تغيير المسار» عنواناً مركزياً لعرضه الانتخابي، وهو التحول الذي أشعل خلال الأيام الأخيرة مواجهة مفتوحة مع التجمع الوطني للأحرار.

فالخلاف لم يعد متعلقاً فقط باستقطاب المرشحين أو التحالفات المقبلة، بل وصل إلى تقييم السنوات الخمس الماضية نفسها: الأحرار يدافعون عن المنجز الحكومي، بينما يقدم البام نفسه أمام الناخبين بوصفه قوة تريد تغيير المسار، رغم مشاركته في صنع جزء من ذلك المسار.

وكان MarocActu24 قد تابع هذه المواجهة عندما هاجم راشيد الطالبي العلمي شعار «تغيير المسار»، معتبراً أن الحزب الذي يرفعه كان شريكاً في الأغلبية الحكومية ولا يمكن فصل موقعه الحالي عن حصيلة السنوات الماضية.

اقرأ أيضاً | «المكاتب المكيفة» تشعل صراع الأحرار والبام.. الطالبي العلمي يهاجم «تغيير المسار» بـ300 ألف مواطن

كما تحولت قضية رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم إلى ساحة مواجهة مباشرة بين لقجع والتجمع الوطني للأحرار، بعدما دعا القيادي في البام إلى تحريك المقترح داخل الحكومة، قبل أن يرد عليه قياديون في الأحرار بأن قرارات الأجور تمر عبر الحوار والتوافق مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.

اقرأ أيضاً | الحد الأدنى للأجر 5000 درهم.. شوكي يرد على لقجع: بالتوافق لا بـ«الكاشي والستيلو»

ولا يقف النقاش عند كون لقجع ينتقد المسار الحكومي، بل يمتد أيضاً إلى سؤال المسؤولية عن الحصيلة الاجتماعية خلال الولاية.

فقد سبق لفاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة، أن أعلنت موقفاً شخصياً يستبعد دخولها في تحالف حكومي جديد يقوده التجمع الوطني للأحرار إذا تصدر انتخابات 23 شتنبر، مع تأكيدها أن القرار المؤسساتي النهائي بشأن التحالفات يبقى من اختصاص المجلس الوطني للحزب.

وهكذا أصبح البام يدخل الانتخابات بموقع سياسي مزدوج: حزب شارك في الحكومة حتى الأيام الأخيرة من ولايتها، وفي الوقت نفسه حزب يطلب من الناخب منحه ثقته من أجل «تغيير المسار» الذي كان جزءاً منه.

ومن مراكش، حاول لقجع نقل النقاش إلى البرامج والحلول، داعياً إلى تقييم المقترحات على أساس قدرتها على معالجة القدرة الشرائية والبطالة والهشاشة ومشاكل الشباب، وهي دعوة مشروعة في أي تنافس انتخابي.

لكن مقارنة البرامج لا تلغي مقارنة الحصائل.

بل على العكس، حين يكون صاحب الدعوة وزيراً داخل الحكومة، وحين يكون حزبه قد أعلن قبل أسابيع فقط اعتزازه بـ«نتائج اجتماعية باهرة»، فإن لقجع ينتقد المسار الحكومي من موقع يجعل السؤال عن المسؤولية جزءاً طبيعياً من النقاش الانتخابي.

ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن خطاب «تغيير المسار» يمثل تنصلاً من التجربة الحكومية، كما لا تثبت أنه مجرد تموقع انتخابي تكتيكي؛ فهذا تقييم سياسي سيظل مرتبطاً بما سيقدمه الحزب من تفسير لحصيلته داخل الأغلبية، وبمدى وضوح الحدود بين القرارات التي دافع عنها سابقاً والسياسات التي يريد تغييرها مستقبلاً.

لكن الثابت، بينما لقجع ينتقد المسار الحكومي اليوم، أن الوثائق والتصريحات المنشورة تكشف مسافة سياسية واضحة بين الخطابين.

هو أن المسافة بين خطاب 21 يوليوز وخطاب 9 شتنبر كبيرة: من «نتائج اجتماعية باهرة» في بلاغ المكتب السياسي إلى «قفة صعيبة» في خطاب أحد أعضائه الذي ما يزال يشغل منصب وزير الميزانية.

وفي هذا السياق، فإن كون لقجع ينتقد المسار الحكومي لا ينفصل عن موقعه داخل حكومة شارك فيها طوال الولاية، ولا عن عضويته في حزب كان جزءاً من الأغلبية ودافع عن حصيلتها داخل المؤسسات.

لذلك، فإن خطاب «تغيير المسار» يضع البام أمام اختبار سياسي واضح: هل يتعلق الأمر بتصحيح اختيارات ساهم الحزب نفسه في صنعها، أم بمحاولة فتح صفحة انتخابية جديدة قبل 23 شتنبر؟ وبين الموقفين، تبقى الوثائق والتصريحات السابقة مرجعاً أساسياً لقياس حجم التحول في الخطاب، خصوصاً عندما يصبح تقييم الحصيلة جزءاً من التنافس بين مكونات الأغلبية نفسها.

وقبل صناديق اقتراع 23 شتنبر، تصبح هذه المفارقة وحدها سؤالاً انتخابياً قائماً بذاته: إذا كان المسار الحالي يحتاج فعلاً إلى التغيير، فمن يتحمل نصيبه من مسؤولية صنعه والدفاع عنه طوال الولاية؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version