التصويت العقابي وضعه محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في قلب رسالته السياسية مع انطلاق الحملة الانتخابية، بعدما شن هجوماً حاداً على ما وصفه بـ«المسخ السياسي» و«البيع والشراء» في الممارسة الحزبية، منتقداً انتقال المرشحين والمنتخبين بين الأحزاب واستعمال المال والمصالح في الاستقطاب.
وتأتي تصريحات بنعبد الله في توقيت انتخابي بالغ الحساسية، إذ انطلقت رسمياً، الخميس 10 شتنبر 2026، الحملة الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، على أن تستمر إلى منتصف ليلة الثلاثاء 22 شتنبر، قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع يوم الأربعاء 23 شتنبر.
المصدر الرسمي | موعد الحملة والانتخابات التشريعية 2026
وجاء موقف الأمين العام لحزب «الكتاب» في سياق حديث نشرته «بلادنا24»، تطرق خلاله إلى التوتر الذي تعرفه الساحة الحزبية والجدل المرتبط باستقطاب المرشحين، على خلفية التسجيل الصوتي المتداول والمنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار.
ولا يُقدَّم التسجيل هنا باعتباره وثيقة رسمية صادرة عن الطالبي العلمي، وإنما بوصفه تسجيلاً متداولاً منسوباً إليه، تناولته وسائل إعلام مغربية وربطته باجتماع للمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وتضمن حديثاً عن استقطاب المنتخبين والصراع السياسي مع فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة.
وبدل أن يحصر بنعبد الله موقفه في التسجيل وما أثاره من جدل، نقل النقاش إلى مستوى أوسع، معتبراً أن المشكلة تتعلق بنمط من الممارسة السياسية يساهم، بحسب تقديره، في إضعاف ثقة المواطنين في الأحزاب والانتخابات.
وتحدث الأمين العام للتقدم والاشتراكية عن انتقال مرشحين ومنتخبين بصورة متكررة بين التنظيمات السياسية، وربط ذلك بممارسات تقوم، وفق توصيفه، على المصالح والمال والاستقطاب، مستعملاً تعبير «البيع والشراء» لوصف ما يرفضه حزبه داخل المجال السياسي.
المصدر | تصريحات نبيل بنعبد الله المنشورة في 10 شتنبر 2026
التصويت العقابي من نقد «المسخ السياسي» إلى ورقة انتخابية
لم يقف خطاب بنعبد الله عند حدود تشخيص ما يعتبره اختلالات في المشهد الحزبي، بل انتقل إلى طرح التصويت العقابي باعتباره الرد الذي يقترحه على الناخبين الرافضين لهذه الممارسات.
ويراهن هذا الخطاب على تحويل الغضب من الأحزاب والممارسات الانتخابية إلى مشاركة داخل صناديق الاقتراع، بدلاً من أن ينتهي إلى العزوف، وهي الرسالة التي اختار حزب التقدم والاشتراكية نفسه إبرازها على منصته الانتخابية الرسمية.
ونشر الحزب مقطعاً لبنعبد الله بعنوان مباشر هو «آن الأوان لتصويت عقابي»، ما يؤكد أن المفهوم لم يعد مجرد تعبير ورد في حوار إعلامي، وإنما أصبح جزءاً واضحاً من الخطاب الذي يدفع به الحزب خلال المرحلة الحاسمة من الحملة.
المصدر الرسمي | حزب التقدم والاشتراكية: «آن الأوان لتصويت عقابي»
ويضع بنعبد الله بذلك خطاً فاصلاً بين انتقاد المشهد السياسي وبين الدعوة إلى الابتعاد عنه.
فبالنسبة إلى خطابه، لا ينبغي أن يقود فقدان الثقة إلى ترك صناديق الاقتراع، وإنما إلى استعمالها لمعاقبة الأحزاب والمرشحين الذين يعتبر الناخب أنهم مسؤولون عن الممارسات التي يرفضها.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية في ظل المواجهة غير المسبوقة التي عرفتها خلال الأسابيع الأخيرة مكونات من الأغلبية الحكومية نفسها، خصوصاً بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة بشأن انتقال منتخبين ومرشحين بين الحزبين.
وسبق لـMarocActu24 أن تابع هذه المواجهة عندما اتهم التجمع الوطني للأحرار منافسه بمحاولات استمالة عدد من منتخبيه ومرشحيه، مستشهداً بثمانية أسماء، قبل أن يرد حزب الأصالة والمعاصرة بالنفي ويستحضر أكثر من 17 برلمانياً قال إن «الأحرار» رشحوهم في انتخابات 2021 بعدما كانوا ينتمون إلى أحزاب أخرى.
ولم يكن ممكناً التعامل مع الأرقام باعتبارها حقائق مستقلة عن أصحابها، إذ ظل رقم الثمانية وارداً في رواية التجمع الوطني للأحرار، بينما بقي رقم أكثر من 17 برلمانياً معطى قدمه حزب الأصالة والمعاصرة ضمن رده السياسي.
اقرأ أيضاً | الأحرار والبام يتبادلان الاتهامات.. 8 أسماء مقابل أكثر من 17 برلمانياً
وأخذ الخلاف بعداً أكبر بعد تداول التسجيل الصوتي المنسوب إلى الطالبي العلمي، لما تضمنه من حديث عن استقطاب المرشحين وعن مستقبل فوزي لقجع السياسي والحقائب الحكومية المحتملة بعد الانتخابات.
وكان MarocActu24 قد تناول أيضاً تعليق الكاتب والباحث إدريس الكنبوري على التسجيل، بعدما قدم قراءة شديدة اللهجة لمضمونه وربطه، في موقف سياسي شخصي، بما اعتبره اختلالات أعمق في الممارسة الحزبية وآليات الوصول إلى المسؤوليات.
اقرأ أيضاً | الكنبوري يعلق على تسجيل الطالبي العلمي: الحياة السياسية «مليئة بالعصابات» والاستوزار تحكمه «الرشوة والزبونية»
لكن خطاب بنعبد الله يختلف في زاويته عن مجرد التعليق على الصراع بين «الأحرار» و«البام»، لأنه يحاول تحويل الملف إلى سؤال انتخابي مباشر: ماذا يفعل المواطن الذي يرى أن السياسة تحولت إلى انتقالات بين الأحزاب وصراعات على المرشحين والمواقع؟
جواب الأمين العام للتقدم والاشتراكية هو التصويت العقابي.
وبهذه الصيغة، يحاول حزب «الكتاب» تقديم المشاركة الانتخابية باعتبارها أداة للمحاسبة، مع مهاجمة فكرة أن فقدان الثقة ينبغي أن يقود بالضرورة إلى المقاطعة أو العزوف.
غير أن هذا الخطاب يضع حزب التقدم والاشتراكية نفسه أمام معيار لا يقل صرامة عن ذلك الذي يطالب به منافسيه.
فإذا كان الحزب يجعل النزاهة والاستقامة ورفض «البيع والشراء» أساساً لخطابه الانتخابي، فإن اختيار مرشحيه وسلوكهم خلال الحملة ومصادر تمويل الأنشطة الانتخابية ومدى انسجام الممارسة على الأرض مع الخطاب المعلن ستصبح بدورها عناصر قابلة للتقييم والمحاسبة من طرف الناخبين.
كما أن توصيف بنعبد الله لما يجري بـ«المسخ السياسي» يبقى موقفاً سياسياً صادراً عن أمين عام حزب منافس في الانتخابات، وليس توصيفاً قانونياً أو حكماً صادراً عن مؤسسة رسمية بشأن ممارسات محددة.
وينطبق الأمر نفسه على الحديث عن المال و«البيع والشراء»، إذ لا تسمح التصريحات وحدها بتحويل هذه الاتهامات العامة إلى وقائع قضائية ثابتة في حق أشخاص أو أحزاب بعينها ما لم ترتبط بأدلة وملفات ومساطر لدى الجهات المختصة.
ومع ذلك، فإن أهمية التصريحات لا تكمن فقط في حدتها، بل في توقيتها: اليوم الأول من الحملة الانتخابية التي ستحدد نتائجها، في 23 شتنبر، موازين القوى داخل مجلس النواب المقبل.
وبين صراع الأحزاب على المرشحين ومحاولات المعارضة تحويل حصيلة الحكومة إلى موضوع للمحاسبة، يدخل مفهوم التصويت العقابي بقوة إلى الحملة الانتخابية.
أما الحسم في ما إذا كان خطاب «المسخ السياسي» و«البيع والشراء» سيقنع المواطنين بالمشاركة، أو سيزيد شعور جزء منهم بعدم الثقة في الأحزاب، فلن يظهر في التصريحات واللقاءات الانتخابية، بل في صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر.
