تحول مشروع إدماج الشباب بمراكش آسفي، الذي انطلق سنة 2019 بدعم من البنك الدولي، إلى ملف ثقيل من أسئلة الحكامة والتنفيذ، بعدما كشف التقرير النهائي للمفتشية العامة للمالية رقم 7410 عن 33 ملاحظة مست التدبير المالي والمؤسساتي، واستمرارية بعض الخدمات، وتحقيق المؤشرات المبرمجة.
الرقم الأول الذي يحتاج إلى ضبط قبل قراءة التقرير هو 55 مليون دولار.
فهذا المبلغ لا يمثل الكلفة الإجمالية الأصلية للمشروع، وإنما قيمة قرض البنك الدولي الموجه إلى «دعم الإدماج الاقتصادي للشباب»، والبالغ 48.2 مليون يورو، بما كان يعادل 55 مليون دولار عند توقيع التمويل سنة 2019.
أما وثيقة تقييم المشروع الأصلية للبنك الدولي فقد قدرت التمويل الإجمالي بـ110.1 ملايين دولار، بينها 55 مليون دولار من البنك و55.1 مليون دولار كتمويل مقابل من الجانب المغربي.
وكان المشروع يستهدف توسيع وصول الشباب إلى الفرص الاقتصادية بجهة مراكش–آسفي، عبر التكوين والوساطة في التشغيل، ودعم المقاولة، وتطوير منظومة جهوية لمواكبة سوق الشغل.
لكن بعد سنوات من التنفيذ، وتمديد إضافي لأجل الإغلاق، تكشف خلاصات المفتشية عن صورة أكثر تعقيداً: خدمات لم تكتمل، مراكز كانت مغلقة عند انتهاء المشروع، مؤشرات بقيت دون أهدافها، وملايين اليوروهات من القرض لم تُسحب.
المصدر الرئيسي | التقرير النهائي للمفتشية العامة للمالية رقم 7410 حول مشروع دعم الإدماج الاقتصادي للشباب بجهة مراكش–آسفي.
إدماج الشباب بمراكش آسفي.. 7.08 ملايين يورو بقيت دون سحب
كان التاريخ الأصلي لإغلاق المشروع محدداً في 30 شتنبر 2024، قبل تمديده سنة إضافية إلى 30 شتنبر 2025، مع استمرار فترة سحب الأموال بعد ذلك إلى غاية 31 مارس 2026.
ورغم هذه المهلة الإضافية، سجل تقرير المفتشية بقاء 7 ملايين و84 ألفاً و533 يورو غير مسحوبة من القرض.
وهنا يجب الفصل بوضوح بين عدم السحب وبين ضياع المال.
فالتقرير لا يقول إن هذه الملايين صُرفت ثم اختفت، ولا يقدم دليلاً على اختلاسها أو سرقتها، وإنما يربط المبلغ المتبقي بخدمات لم تُنجز داخل آجال المشروع واعتمادات لم تتحول إلى تنفيذ فعلي.
وهذا يجعل السؤال التدبيري أكثر دقة: كيف انتهى مشروع امتد لست سنوات، وحصل على سنة إضافية لإغلاقه، بينما بقي أكثر من سبعة ملايين يورو من التمويل المتاح دون استخدام؟
المشكل لا يتوقف عند الأموال غير المسحوبة.
إذ تكشف المعطيات المالية الواردة في الافتحاص أن الالتزامات الاستثمارية كانت مبرمجة في حدود 168 مليون درهم، في حين توقفت الإنجازات المالية عند نحو 108 ملايين درهم.
الفارق يصل إلى 60 مليون درهم، أي نحو 36 في المائة من البرمجة الاستثمارية التي لم تتحول إلى إنجاز مالي وفق الأرقام الواردة في التقرير.
كما لم يتجاوز المعدل الإجمالي لإصدار نفقات البرنامج المؤهلة ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية 41.67 في المائة خلال سنة 2025.
مراكز أُنشئت وجُهزت.. ثم أغلقت أبوابها
من أكثر خلاصات تقرير المفتشية إثارة للأسئلة وضع مراكز دعم المقاولة والتنمية الاقتصادية المحلية.
فبحسب التقرير، كانت هذه المراكز مغلقة عند نهاية المشروع، رغم التجهيزات والمعدات التي تم اقتناؤها ووضعها رهن إشارتها.
ولم تقف الملاحظة عند توقف النشاط، إذ سجل المفتشون مخاطر مرتفعة مرتبطة باستمرارية هذه المراكز، والحفاظ على تجهيزاتها بعد انتهاء التمويل.
وحذر التقرير من احتمال تعرض المعدات للتلف أو الضياع أو استعمالها دون إطار واضح، ما دفع المفتشية إلى إصدار توصية استعجالية ترمي إلى إعادة تشغيل المراكز وحماية الأصول الموجودة بها وضمان استمرارية الاستفادة منها.
هذه الخلاصة تحول النقاش من سؤال الاقتناء إلى سؤال الاستدامة.
فإنشاء مركز وتجهيزه لا يمثل نتيجة في حد ذاته إذا لم يكن هناك نموذج قادر على ضمان استمراره بعد انتهاء القرض.
وهو ما يفتح سؤالاً مباشراً أمام الجهات المنفذة: ما مصير هذه المراكز والتجهيزات اليوم؟ وهل أُعيد تشغيلها بعد ملاحظات المفتشية أم ظلت خارج الخدمة؟
حكامة غابت في سنة الإغلاق
تكشف وثيقة الافتحاص أيضاً أن أوجه الخلل لم تكن مالية فقط.
فالتقرير سجل عدم تفعيل اللجنة الوزارية للتشغيل، وعدم إحداث لجنة للتنسيق على مستوى عمالة مراكش، إلى جانب عدم عقد لجنة التنسيق الجهوية ولجان التنسيق الإقليمية اجتماعاتها خلال سنة 2025.
والمفارقة أن الأمر يتعلق بالسنة الأخيرة للمشروع، أي المرحلة التي كان يفترض أن تحسم فيها الملفات العالقة، واستدامة الخدمات، ومصير التجهيزات والنتائج النهائية.
كما سجلت المفتشية عدم احترام دورية اجتماعات عدد من هياكل الحكامة خلال فترة التنفيذ، وعدم دراسة بعض اللجان الإقليمية برنامج العمل والميزانية السنوية لسنة 2025 قبل المصادقة عليهما.
وأضاف الافتحاص إلى ذلك غياب خريطة شاملة للمخاطر، والتأخر في تحيين خريطة المخاطر المالية، وعدم توفر المشروع على منظومة محاسباتية خاصة ومندمجة وممركزة بالشكل الذي يسمح بتتبع مالي أكثر دقة.
وتأخر كذلك نظام المعلومات المخصص لتتبع وتقييم برامج إدماج الشباب.
33 ملاحظة و6 مؤشرات لم تحقق أهدافها
لا تقف حصيلة مشروع إدماج الشباب بمراكش آسفي عند كيفية صرف الأموال، بل تمتد إلى النتائج التي كان يفترض تحقيقها.
فمن أصل 17 مؤشراً للنتائج، سجل التقرير أن ستة مؤشرات لم تبلغ أهدافها النهائية عند إغلاق المشروع.
ويظهر التفاوت بوضوح في نسب الإدماج بعد التكوين التأهيلي.
فقد بلغت النسبة 72 في المائة بإقليم آسفي، مقابل 26 في المائة فقط بإقليم قلعة السراغنة، أي فجوة تصل إلى 46 نقطة مئوية بين الإقليمين.
كما لم تُنجز خلال سنة 2025 عملية التكوين الموجهة إلى غير الحاصلين على الشهادات، رغم أنها كانت مبرمجة ضمن خريطة التكوين التأهيلي.
وأُغلق المشروع كذلك، بحسب التقرير، دون تشغيل المرصد الجهوي لسوق الشغل، ودون إنجاز التقييم النهائي داخل الأجل المحدد.
هذه النتائج تجعل تقييم المشروع غير ممكن انطلاقاً من حجم القرض وحده، لأن الاختبار الحقيقي يبقى في الخدمات التي وصلت إلى الشباب والنتائج التي استمرت بعد انتهاء التمويل.
صفقات متأخرة ونزاع يقترب من 10 ملايين درهم
ورصدت المفتشية عدم تنفيذ أو تأخر مجموعة من الطلبات والخدمات المبرمجة، بينها تقييم أثر المشروع، الذي قدرت كلفته بنحو 2.5 مليون درهم.
كما لم يُطلق خلال 2025 طلب العروض الجديد المتعلق باقتناء منظومة متكاملة لتحديد ملفات المستفيدين وتقييم كفاءاتهم وتتبع إدماجهم، بعد إعلان طلب سابق غير مثمر مرتين.
ويكشف التقرير كذلك عن نزاع تعاقدي بين المديرية الجهوية للوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات بمراكش والجهة المكلفة بتدبير فضاءات تشغيل الشباب.
وتبلغ غرامات التأخير موضوع الملف نحو 3.984 ملايين درهم، فيما تصل قيمة خدمات غير مؤداة إلى ستة ملايين درهم.
وبجمع الرقمين، يقترب حجم المبالغ المرتبطة بهذا النزاع من 9.984 ملايين درهم.
كما سجل المفتشون تأخراً في المصادقة على بعض مخرجات الجهة المكلفة بتدبير مراكز دعم المقاولة، مع الاستعانة بخبير خارجي للتحقق من خدمات قبل الموافقة على أداء مستحقاتها.
اقرأ أيضاً | إصلاح المؤسسات العمومية.. 0 من 22 داخل برنامج بـ350 مليون دولار
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة سؤالاً سبق أن طرحته مؤشرات برامج أخرى ممولة بدعم دولي: لا يكفي توقيع التمويل أو توفر الاعتمادات، بل تبقى القدرة على تحويلها إلى نتائج قابلة للقياس هي الاختبار الحقيقي.
اقرأ أيضاً | PEFA يرصد ثغرات في الرقابة والتقييم داخل منظومة المالية العمومية
وتزداد أهمية هذه النقطة لأن تقييم PEFA للمغرب سبق أن أثار بدوره مسألة إتاحة تقارير التقييم والرقابة وربطها بالإجراءات التصحيحية، ما يجعل نشر نتائج الافتحاص وتتبع تنفيذ توصياتها جزءاً أساسياً من المساءلة.
لا دليل على اختلاس 55 مليون دولار
ورغم ثقل الاختلالات الواردة في التقرير، فإن الدقة تفرض عدم تحويل نتائج الافتحاص الإداري إلى اتهامات جنائية لا تسندها الوثيقة.
فالمفتشية العامة للمالية منحت القوائم المالية للمشروع رأياً دون تحفظ، معتبرة أنها تعكس وضعيته المالية في جوانبها الأساسية.
ولا يثبت التقرير اختلاس مبلغ 55 مليون دولار أو سرقته.
كما أن 7.084 ملايين يورو المتبقية لا تمثل أموالاً صُرفت ثم اختفت، وإنما جزءاً لم يُسحب من القرض في ارتباط بخدمات لم يتم إنجازها.
لكن غياب شبهة اختلاس مثبتة لا يلغي الأسئلة السياسية والإدارية حول إدماج الشباب بمراكش آسفي.
فالتقرير يوثق ضعفاً في الحكامة، وتأخر خدمات، ومراكز كانت مغلقة عند انتهاء المشروع، وعدم بلوغ ستة مؤشرات أهدافها، وبقاء أكثر من سبعة ملايين يورو غير مسحوبة رغم تمديد أجل المشروع.
أُطلق المشروع سنة 2019، أي قبل تشكيل الحكومة الحالية، لكن سنوات تنفيذه الأخيرة وتمديده وإغلاقه النهائي امتدت خلال ولايتها، ما يجعل المسؤولية موزعة زمنياً ومؤسساتياً ولا يجوز اختزالها في جهة واحدة دون سند.
لكن ذلك لا يمنع طرح أسئلة واضحة على الوزارة المكلفة بالإدماج الاقتصادي وباقي المؤسسات المنفذة.
لماذا لم تُنجز الخدمات المتبقية رغم تمديد المشروع؟ ما مصير مراكز دعم المقاولة اليوم؟ أين توجد تجهيزاتها؟ هل نُفذت توصية المفتشية بإعادة تشغيلها وحمايتها؟ ولماذا لم تحقق ستة مؤشرات أهدافها النهائية؟
أثقل ما يكشفه التقرير ليس سرقة مثبتة لقرض بـ55 مليون دولار، بل فرصة تنموية كبيرة انتهت وفي رصيدها ملايين غير مسحوبة، ومراكز احتاجت إلى توصية استعجالية لضمان استمرارها، ونتائج ظلت دون الأهداف التي رسمها المشروع للشباب بجهة مراكش–آسفي.
