دخلت المخالفات الانتخابية في انتخابات المغرب 2026 مرحلة أكثر تشدداً على مستوى المواكبة القضائية، بعدما وجهت رئاسة النيابة العامة تعليمات إلى مختلف النيابات العامة بالمملكة تقضي بالتصدي بحزم للممارسات المخالفة للقانون، وتسريع الأبحاث المرتبطة بالشكايات، وتفعيل المقتضيات الزجرية، وتقديم المخالفين إلى العدالة، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول شبهات ربط بعض التزكيات الانتخابية بالقدرة المالية.
وجاءت هذه التعليمات في دورية مؤرخة في 28 غشت 2026 تحت موضوع «حول التعبئة للاستحقاقات الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب»، وجهها الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة هشام بلاوي، إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية.
“المصدر الرسمي | رئاسة النيابة العامة تدعو إلى التعبئة لضمان نزاهة انتخابات 23 شتنبر”
وشددت رئاسة النيابة العامة على ضرورة اتخاذ التدابير الكفيلة بمواكبة مختلف مراحل العملية الانتخابية والتصدي «بكل حزم وصرامة» للممارسات والأفعال التي يمكن أن تمس بسلامة الاستحقاق أو تؤثر في نزاهته وشفافيته، مع ترتيب الآثار القانونية في حق من تثبت مسؤوليته.
وأكدت الدورية أن القضاء يضطلع بدور محوري في حماية العملية الانتخابية وتعزيز ثقة المواطنين وتحقيق ما وصفته بـ«الأمن الانتخابي»، استناداً إلى الفصل 11 من الدستور الذي يجعل الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة أساساً لمشروعية التمثيل الديمقراطي.
المخالفات الانتخابية.. تسريع الأبحاث وتقديم المتابعين إلى العدالة
ومن أبرز التعليمات الموجهة إلى المسؤولين القضائيين الحرص على إنجاز الأبحاث المتعلقة بالشكايات الخاصة بـالمخالفات الانتخابية بالسرعة والفعالية اللازمتين، وتفعيل المقتضيات القانونية الزجرية المرتبطة بالمادة الانتخابية، مع تقديم المخالفين إلى العدالة لمحاكمتهم طبقاً للقانون.
“تفاصيل الدورية | النيابة العامة تدعو إلى تسريع الأبحاث في الشكايات الانتخابية”
كما أمرت رئاسة النيابة العامة بتأمين المداومة طيلة فترة الاستحقاقات الانتخابية، وتعزيز التنسيق بين الخلايا الجهوية والمحلية المحدثة لدى النيابات العامة بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية، والتواصل المستمر مع الخلية المركزية برئاسة النيابة العامة بشأن المخالفات التي قد يتم رصدها.
وشملت التوجيهات كذلك تقوية التنسيق مع الفرق الأمنية المكلفة بمواكبة القضايا الانتخابية، بما يسمح بالتعامل بصورة أسرع مع الوقائع والشكايات التي يمكن أن تدخل ضمن المخالفات الانتخابية خلال مرحلة الترشيحات أو الحملة أو الاقتراع.
وتأتي التعبئة القضائية في وقت تصاعد فيه النقاش حول طريقة منح التزكيات داخل عدد من الأحزاب، بعد تداول معطيات وتصريحات تتحدث عن شبهات ربط الترشيح بمساهمات أو قدرات مالية، وهي وقائع لا يجوز اعتبارها جرائم ثابتة ما لم تثبتها الأبحاث أو تصدر بشأنها أحكام قضائية.
وكانت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب قد حذرت من تحويل التزكيات الانتخابية إلى مجال تتحكم فيه القدرة المالية أو النفوذ أو الولاءات الشخصية، وطالبت بفتح تحقيق بشأن كل تصريح موثق يتعلق بطلب مقابل مالي، مباشر أو غير مباشر، مرتبط بالحصول على التزكية.
“الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب تطالب بالتحقيق في مزاعم المقابل المالي للتزكيات”
واعتبرت الجمعية أن أي اشتراط لمساهمات أو أعباء مالية مرتبطة فعلياً بالحصول على التزكية يطرح إشكالاً ديمقراطياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمقاعد والآليات المخصصة لتعزيز تمثيلية النساء، داعية الأحزاب إلى اعتماد مساطر معلنة وقابلة للمساءلة تقوم على الكفاءة والنزاهة والمسار السياسي.
وسبق لـMarocActu24 أن تناول الجدل نفسه بعد إثارة شبهة «المال مقابل التزكية» داخل الاتحاد الاشتراكي، إثر مطالبة قيادية حزبية بالتحقيق في معطيات مرتبطة بتدبير الترشيحات للائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء–سطات.
“شبهة «المال مقابل التزكية» تفجر غضباً داخل الاتحاد الاشتراكي قبل انتخابات شتنبر”
ولا تشير دورية رئاسة النيابة العامة إلى هذه الواقعة أو إلى حزب سياسي بعينه، كما لا تربط تعليماتها مباشرة بالجدل الدائر حول التزكيات مقابل المال. ولذلك يبقى الربط بين الملفين مرتبطاً بالتزامن الزمني والسياق الانتخابي، وليس بوجود إحالة رسمية في الدورية إلى قضية محددة.
وتزداد أهمية التعليمات مع دخول انتخابات المغرب 2026 مرحلة إيداع الترشيحات وارتفاع وتيرة المنافسة بين الأحزاب، بما يوسع نطاق الوقائع التي يمكن أن تستدعي تدخلاً قضائياً إذا تحولت من سجال سياسي أو ادعاءات إلى شكايات مدعمة بمعطيات قابلة للبحث.
كما يأتي تشديد التعامل مع المخالفات الانتخابية بالتزامن مع تخصيص الدولة 450 مليون درهم لتمويل الحملات الانتخابية، في وقت تخضع فيه أوجه صرف الدعم العمومي والنفقات الانتخابية بدورها للمراقبة والتدقيق.
“45 مليار سنتيم لحملات 2026.. وآخر تحيين رقابي سجل 2.185 مليار سنتيم بذمة 14 حزباً”
وتضع تعليمات رئاسة النيابة العامة مختلف الشكايات المتعلقة بـالمخالفات الانتخابية أمام مسار يفترض أن يكون أكثر سرعة خلال الأسابيع الفاصلة عن اقتراع 23 شتنبر، بعدما شددت الدورية على ضرورة الفعالية في الأبحاث وعدم الاكتفاء بتلقي الشكايات دون ترتيب الآثار القانونية المناسبة.
كما تلزم التعبئة الجديدة المسؤولين القضائيين بإشعار رئاسة النيابة العامة بالصعوبات التي قد تعترض تنفيذ التوجيهات، مع تعميم مضمون الدورية على قضاة النيابة العامة المعنيين بمواكبة الاستحقاقات.
وبذلك تدخل انتخابات 2026 مرحلة رقابة قضائية أكثر وضوحاً، عنوانها تسريع البحث في المخالفات الانتخابية وتفعيل النصوص الزجرية والتنسيق بين القضاء والأجهزة الأمنية، بينما سيبقى الجدل حول «التزكيات مقابل المال» في دائرة الشبهة والمطالبة بالتحقيق إلى أن تنتقل أي وقائع محددة إلى مسطرة قضائية تثبتها أو تنفيها.
