عاد ملف القمح إلى واجهة الأخبار الوطنية من زاوية مختلفة، بعدما أفاد مهنيون في قطاع الحبوب والمطاحن بأن جهود المغرب للحد من الاعتماد على الواردات وإعطاء الأولوية للقمح المحلي تواجه بعض الصعوبات المرتبطة بجودة المحصول، خاصة على مستوى نسبة البروتين المطلوبة في دقيق الخبز.
وتأتي هذه المعطيات في موسم فلاحي عرف تحسناً ملحوظاً بعد أمطار أنهت موجة جفاف طويلة، ما رفع التوقعات بشأن إنتاج الحبوب إلى حوالي تسعة ملايين طن، من بينها القمح اللين والقمح الصلب والشعير.
ورغم وفرة المحصول مقارنة مع السنوات الأخيرة، أشار مسؤولو المطاحن وتجار الحبوب إلى أن عملية الحصاد واجهت مجموعة من العراقيل، من بينها نقص اليد العاملة، وتزامن الأشغال مع عطلة عيد الأضحى، وتقادم عدد من المعدات، إضافة إلى استمرار التساقطات في بعض المناطق.
وتبرز الإشكالية الأساسية في جودة القمح المحلي، إذ تحدث ممثلو القطاع عن انخفاض مستوى البروتين إلى حوالي 10.5 في المائة، في حين يتطلب دقيق الخبز نسبة لا تقل عن 11.5 في المائة. ويعني ذلك أن جزءاً من القمح المحلي قد يحتاج إلى المزج مع قمح مستورد ذي نسبة بروتين أعلى، من أجل بلوغ الجودة المطلوبة في صناعة الخبز.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية كبيرة، لأن الخبز يعد مادة أساسية في الاستهلاك اليومي للمغاربة، وأي اضطراب في جودة القمح أو في مسار تزويد المطاحن قد ينعكس على سلسلة الإنتاج والتوزيع. كما أن رهان تقليص الواردات يظل مرتبطاً ليس فقط بحجم الإنتاج المحلي، بل أيضاً بمدى مطابقته للمعايير التقنية التي يحتاجها قطاع الطحن والمخابز.
وفي هذا السياق، ربطت السلطات استئناف الواردات ابتداء من فاتح غشت بتحقيق هدف جمع المحصول المحلي، حيث تشير المعطيات المنشورة إلى هدف لا يقل عن 1.2 مليون طن. غير أن مهنيين اعتبروا هذا الهدف طموحاً، خاصة أن عدداً من صغار الفلاحين يحتفظون بجزء من الحبوب لاستهلاكهم أو لحاجياتهم الخاصة.
وتطرح هذه الوضعية تحدياً مزدوجاً أمام القطاع؛ فمن جهة، هناك رغبة في حماية الفلاح المحلي وتشجيع تسويق المحصول الوطني، ومن جهة أخرى، هناك حاجة إلى ضمان جودة الدقيق واستقرار التزويد، حتى لا يتحول موسم الوفرة إلى مصدر ارتباك بالنسبة للمطاحن والمخابز والمستهلكين.
ومن المنتظر أن تتضح خلال الأسابيع المقبلة حدود الاعتماد على القمح المحلي، وحجم الواردات التي سيحتاجها المغرب لتأمين توازن السوق بين الجودة والسعر، في سياق إقليمي ودولي ما تزال فيه أسعار الحبوب وتكاليف الشحن والتوترات الجيوسياسية عوامل مؤثرة في الأمن الغذائي.


