لم يعد ملف دعم استيراد المواشي مجرد نقاش موسمي مرتبط بأسعار عيد الأضحى أو غضب المستهلكين من غلاء اللحوم. التطور الجديد داخل مجلس النواب يمنح الملف بعداً سياسياً ورقابياً أوسع، بعدما بدأت مبادرة تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق تكسب دعماً إضافياً داخل الأغلبية والمعارضة.
المعطيات المنشورة اليوم الجمعة 19 يونيو 2026 تفيد بأن فريقي الأصالة والمعاصرة والاستقلال أعلنا موافقتهما المبدئية على الانخراط في مبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم الحكومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية عموماً.
هذا التحول مهم، لأنه ينقل النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة والتصريحات السياسية إلى آلية دستورية واضحة، يتيحها الفصل 67 من الدستور، وتسمح للبرلمان بجمع المعطيات حول وقائع محددة أو تدبير مؤسسات ومرافق عمومية، قبل إيداع تقرير رسمي لدى مكتب المجلس المعني.
المبادرة، التي تقودها فرق من المعارضة، تسعى إلى الوقوف على حقيقة ما يثار بخصوص الدعم والإعفاءات الموجهة للقطاع، ومعايير الاستفادة منها، وتحديد المستفيدين الفعليين، وتقييم مدى تحقيقها للأهداف الاجتماعية والاقتصادية والمالية المعلنة.
القيمة السياسية لهذا المسار تكمن في أن ملف دعم المواشي لم يعد مرتبطاً فقط بسؤال من استفاد، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أعمق: هل وصل الدعم العمومي إلى أثره الاجتماعي المنتظر، أم تحول إلى إجراء مكلف لم يمنع ارتفاع الأسعار ولم يطمئن الرأي العام؟.
كما أن دخول مكونات من الأغلبية على خط المبادرة يضع الحكومة أمام اختبار الشفافية المؤسساتية. فالموافقة المبدئية على تشكيل اللجنة قد تعني وجود رغبة في امتصاص الاحتقان ورفع اللبس، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف انتظار الرأي العام، الذي لم يعد يقبل لغة التبرير العام دون أرقام ولوائح وتقييم واضح.
بحسب المعطيات المتاحة، يجري النقاش أيضاً حول إمكانية توسيع نطاق التحقيق ليشمل أشكالاً أخرى من الدعم المرتبط بالمواشي والحبوب والمحروقات واللحوم. وهذا التوسيع، إن حصل، سيحوّل اللجنة من مجرد تحقيق في ملف قطاعي إلى اختبار شامل لطريقة تدبير الدعم العمومي في قطاعات حساسة تمس القدرة الشرائية.
الملف حساس لأنه يجمع بين المال العام، الأسعار، الأمن الغذائي، الفلاحة، ومصالح فئات واسعة من المهنيين والمستهلكين. لذلك فإن أي لجنة لتقصي الحقائق لن تكون مجرد إجراء برلماني عادي، بل محطة لكشف طريقة اشتغال السياسات العمومية حين تكون تحت ضغط السوق والغضب الاجتماعي.
غير أن الرهان الحقيقي لن يكون في إعلان تشكيل اللجنة فقط، بل في قدرتها على الوصول إلى المعطيات الدقيقة ونشر خلاصات واضحة للرأي العام، بعيداً عن الحسابات الحزبية أو التوازنات الظرفية.
هذا التطور يمنح البرلمان فرصة لاستعادة جزء من دوره الرقابي. فإذا نجحت المؤسسة التشريعية في تحويل الملف إلى تقرير موثق، فإنها قد تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل الدعم العمومي بالمغرب، وكيف يمكن ربطه بالنجاعة والمحاسبة وحماية المستهلك.


