أعلن نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، عزمه مغادرة قيادة الحزب بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، واضعاً بذلك حداً لجزء من النقاش الذي ظل يرافق مستقبله السياسي داخل “حزب الكتاب” خلال السنوات الأخيرة.
ويحمل هذا الإعلان دلالة سياسية واضحة، لأنه يأتي في مرحلة انتخابية حساسة، تستعد فيها الأحزاب لإعادة ترتيب أوراقها، وتحديد مرشحيها، وصياغة خطابها السياسي قبل استحقاقات تشريعية ينتظر أن تكون محطة مفصلية في المشهد الحزبي المغربي.
بنعبد الله، الذي ارتبط اسمه بقيادة حزب التقدم والاشتراكية لسنوات طويلة، اختار أن يربط مغادرته للقيادة بما بعد الانتخابات المقبلة، في ما يبدو انتقالاً محسوباً لا يريد أن يربك استعدادات الحزب للاستحقاق الانتخابي. فالإعلان الآن يمنح الحزب وقتاً سياسياً لتنظيم النقاش الداخلي، دون أن يدخل مباشرة في فراغ قيادي قبل موعد انتخابي مهم.
ولا يمكن قراءة هذا القرار خارج سياق أوسع تعيشه الأحزاب المغربية، حيث يطرح سؤال تجديد القيادات نفسه بإلحاح. فعدد من التنظيمات السياسية تواجه اليوم ضغطاً مزدوجاً: من جهة الحفاظ على الاستقرار التنظيمي والخبرة السياسية، ومن جهة أخرى فتح المجال أمام وجوه جديدة قادرة على تجديد الخطاب واستقطاب فئات أوسع من الناخبين، خصوصاً الشباب.
ويعد حزب التقدم والاشتراكية من الأحزاب التي راكمت حضوراً خاصاً داخل الحياة السياسية المغربية، سواء من موقع المشاركة الحكومية في مراحل سابقة أو من موقع المعارضة. لذلك، فإن أي تغيير في قيادته لا يهم الحزب وحده، بل يهم أيضاً توازنات جزء من المشهد الحزبي، خاصة في الفضاء اليساري والتقدمي.
ويطرح إعلان بنعبد الله سؤالاً حول طبيعة المرحلة التي سيقبل عليها الحزب بعد التشريعيات: هل ستكون مرحلة انتقال هادئ داخل نفس الخط السياسي، أم فرصة لإعادة صياغة هوية الحزب وخطابه وتحالفاته؟ وهل سيستطيع “الكتاب” تحويل لحظة تغيير القيادة إلى دينامية تنظيمية جديدة، بدل أن تتحول إلى نقاش داخلي مرهق؟.
الأكيد أن مغادرة قائد سياسي بحجم بنعبد الله لا تمر دون أثر. فالرجل ظل حاضراً في النقاش العمومي، وفي مواقف الحزب تجاه قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية، كما ارتبط اسمه بخطاب نقدي تجاه عدد من الاختيارات الحكومية خلال السنوات الأخيرة.
لكن السياسة لا تقف عند الأشخاص وحدهم. فالأحزاب التي تنجح في الانتقال بين القيادات هي التي تستطيع تحويل الخبرة المتراكمة إلى مؤسسات داخلية قوية، وتمنح الخلف فرصة واضحة للعمل دون أن تبقى أسيرة المقارنة مع السابق.
ومن هذه الزاوية، قد يكون إعلان بنعبد الله فرصة لحزب التقدم والاشتراكية من أجل تنظيم نقاش أعمق حول مستقبله، ليس فقط من سيقود الحزب، بل بأي مشروع سياسي، وبأي خطاب اجتماعي، وبأي موقع داخل الخريطة الحزبية المقبلة.
وبين نهاية مرحلة وبداية أخرى، يدخل “حزب الكتاب” امتحاناً سياسياً وتنظيمياً دقيقاً. فالتغيير في القيادة قد يكون فرصة لتجديد النفس، لكنه يحتاج إلى وضوح في الرؤية، وتدبير هادئ للانتقال، وقدرة على تحويل القرار إلى محطة قوة لا إلى عنوان ارتباك.
