احتفت السفارة الأمريكية بالرباط بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، في حفل دبلوماسي احتضنه الموقع التاريخي لشالة، بحضور شخصيات مغربية وأجنبية، في مناسبة لم تكن مجرد احتفال وطني أمريكي، بل محطة جديدة لتأكيد عمق واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية في تاريخ واشنطن.
وقال السفير الأمريكي بالمغرب، ريتشارد ديوك بوكان الثالث، إن الاحتفال يشكل مناسبة لاستحضار شراكة “متجذرة في التاريخ، عززتها الثقة، وتتطلع بثبات إلى الـ250 سنة المقبلة”، في إشارة إلى المسار الطويل الذي جمع الرباط وواشنطن منذ البدايات الأولى لاستقلال الولايات المتحدة.
وتكتسي هذه المناسبة رمزية خاصة بالنسبة للمغرب، باعتباره من أوائل الدول التي فتحت أبواب الاعتراف والتواصل مع الولايات المتحدة الناشئة، قبل أن تتوج العلاقة بين البلدين بمعاهدة السلم والصداقة، التي ظلت واحدة من أقدم الروابط الدبلوماسية المستمرة في التاريخ الأمريكي.
غير أن خطاب بوكان لم يتوقف عند الذاكرة التاريخية فقط، بل حمل إشارات سياسية واستراتيجية واضحة، بعدما شدد على أهمية تعزيز الروابط الاقتصادية والإنسانية بين الشعبين، وعلى دعم المبادرات التي تواكب رؤية الملك محمد السادس لجعل الصحراء المغربية فضاء للشراكة والفرص عبر الأطلسي.
بهذا المعنى، لم تعد العلاقة المغربية الأمريكية مجرد قصة تاريخية جميلة تُستحضر في المناسبات، بل تحولت إلى رصيد سياسي واستراتيجي حاضر في ملفات الأمن، والاستثمار، والاستقرار الإقليمي، والتعاون الاقتصادي، خصوصاً في ظل التحولات التي تعرفها منطقة شمال إفريقيا والساحل وإفريقيا الأطلسية.
ويعكس اختيار موقع شالة التاريخي لاحتضان هذا الحفل بعداً رمزياً إضافياً، إذ تلتقي الذاكرة المغربية العريقة بالذاكرة الأمريكية الحديثة، في لحظة تؤكد أن الشراكات الكبرى لا تصنعها المصالح الظرفية وحدها، بل تصنعها أيضاً الثقة المتراكمة، والوضوح السياسي، والقدرة على تحويل التاريخ إلى قوة ناعمة في الحاضر.
كما أبرزت السفارة الأمريكية الحضور الدبلوماسي والاقتصادي المتنامي للولايات المتحدة في المغرب، من المفوضية الأمريكية بطنجة، أقدم منشأة دبلوماسية أمريكية في العالم، إلى القنصلية العامة الجديدة بالدار البيضاء، بما يعكس رغبة واشنطن في ترسيخ حضورها داخل المملكة، ليس فقط كحليف تقليدي، بل كشريك في مشاريع المستقبل.
وتأتي هذه الرسائل في لحظة إقليمية دقيقة، حيث يواصل المغرب تعزيز موقعه كفاعل محوري في الاستقرار الإقليمي، وكبوابة استراتيجية نحو إفريقيا، وكشريك موثوق بالنسبة لواشنطن في ملفات الأمن والتنمية والطاقة والاستثمار.
وبين التاريخ والدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية، بدا احتفال الرباط بالذكرى الأمريكية أكثر من مناسبة بروتوكولية. كان رسالة واضحة بأن علاقة المغرب والولايات المتحدة تدخل مرحلة جديدة، عنوانها الثقة، وعمقها التاريخ، ووجهتها المستقبل.
