شهدت مدينة مراكش إطلاق البرنامج الوطني للتكوين بالتدرج المهني في قطاع الصناعة التقليدية، في خطوة تستهدف تكوين 30 ألف متدرج سنوياً، وبلوغ 150 ألف مستفيد في أفق سنة 2030، ضمن رؤية تروم ربط التكوين المهني بحاجيات سوق الشغل والحفاظ على الحرف المغربية.
ويأتي هذا البرنامج في إطار عقد برنامج للفترة 2026-2030، يراهن على جعل التكوين بالتدرج آلية عملية لتمكين الشباب من اكتساب مهارات مهنية داخل الورشات والوحدات الإنتاجية، إلى جانب تكوين نظري ومواكبة داخل مؤسسات متخصصة.
وتحمل هذه المبادرة أهمية خاصة لأن الصناعة التقليدية ليست مجرد قطاع اقتصادي محدود، بل جزء من هوية المغرب الثقافية والإنتاجية، ورافعة للتشغيل المحلي، ومصدر دخل لآلاف الأسر في المدن والقرى. فالحرف التقليدية، من الزليج والنحاس والخشب والجلد والنسيج إلى الخزف والطرز، تحتاج إلى يد عاملة مؤهلة قادرة على ضمان الاستمرارية والتطوير.
غير أن القطاع يواجه تحديات واضحة، من بينها شيخوخة بعض الحرفيين، وضعف انتقال الخبرة بين الأجيال، ومحدودية جاذبية بعض المهن لدى الشباب، إضافة إلى منافسة المنتجات الصناعية والمستوردة. لذلك، فإن إدماج الشباب في مسارات تكوينية عملية قد يشكل مدخلاً لإعادة الاعتبار لهذه الحرف وتحويلها إلى فرص اقتصادية حقيقية.
ويتميز التكوين بالتدرج بكونه لا يفصل المتدرب عن الواقع المهني. فالشاب لا يتلقى المعرفة فقط داخل قاعة، بل يتعلم داخل ورشة، ويحتك بالصانع التقليدي، ويفهم أسرار المهنة من خلال الممارسة اليومية. وهذا النوع من التكوين يمكن أن يكون أكثر فعالية في القطاعات التي تقوم على المهارة، والدقة، والخبرة المتراكمة.
وتراهن الحكومة من خلال هذا البرنامج على تحقيق هدفين متكاملين: من جهة، تأهيل الشباب وإدماجهم في سوق الشغل، ومن جهة أخرى، حماية الرأسمال اللامادي المرتبط بالصناعة التقليدية المغربية. فكل حرفة تختفي تعني فقدان جزء من ذاكرة إنتاجية وثقافية يصعب تعويضها.
كما يمكن لهذا البرنامج أن يساهم في تقوية تنافسية الصناعة التقليدية، إذا تمت مواكبته بتحديث طرق التسويق، ودعم التعاونيات والمقاولات الصغرى، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وربط الحرفيين بالأسواق الرقمية والسياحية. فالتكوين وحده لا يكفي إذا لم يجد المتخرجون بعده فرصاً واضحة للعمل أو خلق مشاريع صغيرة.
وتكتسي مراكش رمزية خاصة في إطلاق هذا الورش، باعتبارها واحدة من المدن التي تحتضن شبكة واسعة من الحرف التقليدية والأسواق والورشات، كما ترتبط صورتها السياحية بشكل كبير بالمنتج التقليدي المغربي. لذلك، فإن الاستثمار في تكوين الشباب داخل هذا القطاع قد ينعكس على المدينة والجهة، لكنه يهم أيضاً باقي المناطق التي تعيش من الحرف المحلية.
ويطرح البرنامج في الوقت نفسه سؤال الجودة. فالوصول إلى رقم 150 ألف مستفيد في أفق 2030 هدف مهم، لكنه يحتاج إلى تتبع دقيق لمستوى التكوين، ونسبة الإدماج المهني، واستمرارية المستفيدين داخل القطاع بعد التخرج. فالأرقام تكون ذات معنى أكبر حين تتحول إلى فرص عمل فعلية ومقاولات صغيرة ومداخيل مستقرة.
وبين الحفاظ على الذاكرة الحرفية وخلق فرص الشغل، يبدو برنامج التكوين بالتدرج في الصناعة التقليدية خطوة واعدة، شرط أن يتحول إلى مسار متكامل يبدأ بالتكوين ولا ينتهي عنده، بل يفتح أمام الشباب أبواب الإنتاج والتسويق والاستقلال الاقتصادي.
فالرهان الحقيقي ليس فقط تكوين 150 ألف شاب، بل جعل الصناعة التقليدية قطاعاً حياً قادراً على جذب الجيل الجديد، وحماية هوية المغرب، وخلق قيمة اقتصادية داخل المدن والقرى.


