عاد ملف المحطة الطرقية باب دكالة بمدينة مراكش إلى واجهة النقاش المحلي، بعدما عبرت الجامعة الوطنية لمستثمري النقل الطرقي بالمغرب عن رفضها لقرار ترحيل المحطة الحالية نحو منطقة العزوزية، معتبرة أن القرار اتخذ دون إشراك كاف للمهنيين والشركاء المعنيين بالقطاع.
ويكتسي هذا الملف حساسية خاصة داخل المدينة، لأن المحطة الطرقية باب دكالة ليست مجرد مرفق للنقل، بل نقطة عبور يومية لعدد كبير من المسافرين، وفضاء اقتصادي ترتبط به مقاولات النقل، والسائقون، والمستخدمون، وعدد من الأنشطة التجارية والخدماتية المحيطة بها.
وتقول الهيئة المهنية إن المحطة الحالية تتميز بموقع استراتيجي داخل النسيج الحضري لمراكش، ما يجعل الوصول إليها أسهل بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين، خاصة الطلبة والعمال والأسر محدودة الدخل. وترى أن نقل المحطة إلى العزوزية قد يفرض على المسافرين كلفة إضافية للتنقل داخل المدينة، خصوصاً إذا لم يكن الربط الحضري بالموقع الجديد منظماً وفعالاً.
وبحسب موقف المهنيين، فإن القرار قد تكون له انعكاسات اقتصادية مباشرة على قطاع النقل العمومي للمسافرين، بسبب احتمال تراجع الإقبال على الحافلات نتيجة بعد الموقع الجديد عن بعض المناطق الحيوية. كما حذرت الهيئة من تأثير ذلك على توازن مقاولات النقل، وعلى مناصب الشغل المرتبطة بهذا النشاط.
وتشير الجامعة الوطنية لمستثمري النقل الطرقي إلى أن أرباب النقل يمثلون 60 في المائة من رأسمال الشركة المسيرة للمحطة الحالية، مقابل مساهمة كل من المكتب الوطني للنقل والمجلس الجماعي بنسبة 20 في المائة لكل طرف. ومن هذا المنطلق، تعتبر أن أي قرار يهم مستقبل المحطة ينبغي أن يمر عبر حوار مؤسساتي واضح، يراعي مصالح جميع الشركاء.
في المقابل، يرى المدافعون عن نقل المحطة أن مراكش تحتاج إلى تنظيم جديد لحركة النقل الطرقي، وتخفيف الضغط عن محيط باب دكالة، وتحسين شروط استقبال المسافرين داخل محطة حديثة. غير أن هذا التوجه، وإن كان يدخل ضمن منطق تحديث البنية التحتية، يحتاج إلى ضمانات عملية حتى لا يتحول إلى عبء إضافي على المواطنين والمهنيين.
فالانتقال من محطة إلى أخرى لا يعني فقط تغيير موقع جغرافي، بل يعني إعادة ترتيب شبكة نقل كاملة. ويشمل ذلك الربط بالحافلات وسيارات الأجرة، وتنظيم الولوج، وتوفير الأمن، ومرافق الانتظار، والخدمات التجارية، ومسارات واضحة للمسافرين القادمين من داخل المدينة وخارجها.
ولهذا يبدو الملف أكبر من خلاف بين جماعة ومهنيين. إنه اختبار لطريقة تدبير المشاريع المحلية الكبرى، خاصة في مدينة بحجم مراكش، حيث تتقاطع اعتبارات السياحة، والنقل، والاقتصاد المحلي، وحاجيات الساكنة، وضغط التوسع العمراني.
ويضع هذا الجدل السلطات المحلية والمنتخبة أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحديث مرافق النقل دون إلحاق ضرر اجتماعي واقتصادي بالمهنيين والمرتفقين؟ وكيف يمكن نقل مرفق حيوي دون أن يشعر المواطن بأن الخدمة أصبحت أبعد وأكثر كلفة؟
إن فتح حوار مع المهنيين، وتقديم معطيات واضحة حول جاهزية محطة العزوزية، وخطة الربط الحضري، وآليات مواكبة المقاولات المتضررة، قد يكون المدخل الأهدأ لتدبير هذا الملف. أما ترك النقاش في دائرة الاحتقان، فقد يحول مشروعاً تنظيمياً إلى أزمة محلية مفتوحة.
وبين مطلب التحديث وهاجس الكلفة الاجتماعية، تبقى محطة باب دكالة عنواناً لملف يحتاج إلى مقاربة تشاركية، تضع مصلحة المسافر في قلب القرار، وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار قطاع حيوي يشغل آلاف الأسر بشكل مباشر أو غير مباشر.


