عاد ملف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى صدارة المشهد الدولي، بعدما تحدثت وكالة رويترز عن اقتراب الطرفين من تفاهم أولي قد يفتح الباب أمام خفض التصعيد، خصوصاً في منطقة مضيق هرمز، التي تعد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ورغم الأجواء التي توحي بتقدم دبلوماسي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً على الأرض. فقد أفادت رويترز بأن القوات الأمريكية أسقطت مسيرات إيرانية قرب مضيق هرمز، قالت مصادر إنها كانت تشكل تهديداً للملاحة التجارية. هذا التطور يعكس هشاشة اللحظة، حيث تجري المفاوضات من جهة، بينما تستمر المؤشرات العسكرية في إرسال رسائل ضغط من جهة أخرى.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن التفاهم الأولي المحتمل قد يرتبط بإعادة فتح أو تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وتخفيف بعض الإجراءات المرتبطة بالحصار البحري، على أن تُترك الملفات الأكثر تعقيداً لمراحل لاحقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، والترتيبات الأمنية الإقليمية.
غير أن طهران تعاملت بحذر مع الحديث عن توقيع وشيك، ونفت وجود اتفاق نهائي يمكن توقيعه يوم الأحد، ما يؤكد أن المسافة بين التفاهم السياسي والإعلان الرسمي ما زالت قائمة. وفي مثل هذه الملفات، لا تكفي التسريبات أو التصريحات المتفائلة، لأن كل تفصيل في الصياغة قد يتحول إلى نقطة خلاف جديدة.
وتكمن أهمية مضيق هرمز في كونه ممراً أساسياً لصادرات النفط والغاز، وأي اضطراب فيه ينعكس بسرعة على الأسواق العالمية. فالمسألة لا تخص إيران والولايات المتحدة وحدهما، بل تهم دولاً مستوردة للطاقة، وأسواق النقل البحري، وسلاسل التوريد، وكلفة المحروقات التي تصل آثارها إلى المستهلك في مختلف دول العالم.
ومن هذه الزاوية، يهم الخبر القارئ المغربي أيضاً. فالمغرب، باعتباره بلداً مستورداً للطاقة، يتأثر بشكل غير مباشر بأي توتر في الممرات البحرية الكبرى وبأي ارتفاع محتمل في أسعار النفط والغاز. لذلك فإن ما يجري في مضيق هرمز لا يبقى بعيداً عن النقاش الاقتصادي الوطني، خاصة حين يتعلق الأمر بأسعار النقل، وكلفة الإنتاج، والميزان التجاري.
ويكشف هذا الملف من جديد أن الطاقة لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل صارت ورقة سياسية وأمنية في قلب العلاقات الدولية. فكل مواجهة عسكرية محدودة قرب ممر بحري حساس قد تتحول إلى عامل ضغط على الأسعار، وكل تقدم دبلوماسي قد يبعث إشارات تهدئة للأسواق.
وبين التفاوض والتصعيد، يبدو أن واشنطن وطهران تتحركان داخل هامش ضيق. فالاتفاق الأولي، إن تم، قد يمنح المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لن يغلق كل الملفات العالقة. أما فشل التفاهم، فقد يعيد التوتر إلى مستوى أكثر خطورة، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الاضطراب في سوق الطاقة العالمية.
لذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد خبر دبلوماسي عابر، بل بملف دولي مفتوح تتقاطع فيه حسابات الأمن، والطاقة، والملاحة، والعقوبات، ومصالح الدول المستوردة للنفط. ومضيق هرمز، كما في كل مرة، يعود ليؤكد أن جغرافيا صغيرة يمكن أن تهز اقتصاد العالم.


