لم يعد المنتخب المغربي يدخل كأس العالم بصفة المنتخب الباحث عن مفاجأة عابرة، ولا بلباس الحصان الأسود الذي ينتظر تعاطف المدرجات. فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، حيث بلغ أسود الأطلس نصف النهائي كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق ذلك، صار المغرب جزءاً من نقاش عالمي أوسع حول معنى كرة القدم خارج مراكز القوة التقليدية.
هذا ما توقفت عنده مجلة The New Yorker الأمريكية، في قراءة مطولة خصصتها للمنتخب المغربي، معتبرة أن أسود الأطلس تحولوا إلى رمز للجنوب العالمي، لا فقط لأنهم هزموا منتخبات كبرى في طريقهم التاريخي، بل لأن قصتهم حملت شحنة رمزية تجاوزت الملعب، ولامست جمهوراً واسعاً في إفريقيا والعالم العربي والشتات.
فالمغرب، وفق القراءة التي قدمتها المجلة، لم يكن مجرد منتخب حقق نتائج جيدة في بطولة كبرى، بل صار صورة لفريق نجح في الجمع بين الانضباط التكتيكي، والروح الجماعية، والهوية المركبة التي تجمع العربي والإفريقي والأمازيغي، إضافة إلى حضور قوي للجالية المغربية في أوروبا.
ولعل قوة التجربة المغربية أنها لم تُقرأ عالمياً من زاوية رياضية ضيقة فقط، بل من زاوية رمزية أيضاً. فقد بدا المنتخب المغربي، خلال مونديال قطر، كأنه يحمل أحلام جماهير كثيرة لا تنتمي بالضرورة إلى المغرب وحده، لكنها رأت في انتصاراته انتصاراً معنوياً لفرق وبلدان ظلت طويلاً خارج مركز السيطرة التقليدية في كرة القدم العالمية.
وتستعيد المجلة الأمريكية كيف تحولت مباريات المغرب في 2022 إلى لحظات احتفال واسعة، من الرباط والدار البيضاء إلى عواصم عربية وإفريقية وأوروبية، حيث اجتمعت الجالية، والمشجعون العرب، والأفارقة، وكثير من المتابعين المحايدين خلف قصة بدت أكبر من نتيجة مباراة.
لكن الأهم في قراءة The New Yorker أن المغرب، وهو يدخل كأس العالم 2026، لم يعد مطالباً فقط بتكرار المفاجأة، بل بتأكيد التحول. فأسود الأطلس صاروا الآن تحت مجهر مختلف: منتخب يُنظر إليه باعتباره قوة كروية صاعدة، لا مجرد حالة استثنائية صنعتها ظروف نسخة واحدة.
هذا التحول يضع المنتخب المغربي أمام تحدٍ جديد. ففي قطر، كان كثيرون يتعاملون مع المغرب كخصم عنيد يمكن أن يفاجئ. أما اليوم، فإن الصورة تغيرت. المنتخب صار محط احترام، لكنه في الوقت نفسه صار هدفاً لمنتخبات ستدخل مبارياته بكامل الحذر، وهي تعرف أن أمامها فريقاً يملك تجربة، ولاعبين في أعلى المستويات الأوروبية، وجمهوراً قادراً على تحويل أي ملعب إلى فضاء مغربي.
وتأتي هذه القراءة الدولية في توقيت حساس، قبل دخول المنتخب المغربي أجواء المنافسة في مجموعة قوية تضم البرازيل، اسكتلندا وهايتي، حيث يفتتح أسود الأطلس مشوارهم بمواجهة ثقيلة أمام البرازيل يوم 13 يونيو 2026. �
Sky Sports
لذلك، فإن مقال The New Yorker لا يمنح المغرب مجاملة إعلامية عابرة، بقدر ما يعكس حجم التحول في النظرة العالمية إلى المنتخب الوطني. فالمغرب لم يعد فقط منتخباً يُذكر عند الحديث عن مفاجآت كأس العالم، بل أصبح حالة كروية تُقرأ من زاوية الهوية، والهجرة، والانتماء، وصعود الجنوب العالمي داخل لعبة ظلت لعقود طويلة محكومة بأسماء محددة.
وبين ذاكرة مونديال 2022 ورهان مونديال 2026، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام لحظة دقيقة: إما أن يؤكد أن ما حدث في قطر كان بداية مرحلة جديدة، أو يترك المجال لمن يحاول اختزال تلك الملحمة في استثناء جميل انتهى مع صافرة نصف النهائي.
غير أن الثابت اليوم أن أسود الأطلس لم يعودوا خارج الصورة. لقد صار المغرب داخل قلب الحكاية العالمية لكرة القدم، لا كزائر عابر، بل كمنتخب يحمل معه جمهوراً، ورمزاً، وانتظاراً كبيراً.


