بقلم: قويدر عبد الرحيم
دخل ملف سبتة ومليلية مرحلة جديدة من النقاش داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بعدما أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الخميس 15 أكتوبر 2026، ارتياحه لإدراج ثلاث نقاط تعتبرها مدريد أساسية في مشروع خلاصات القمة الأوروبية المنعقدة ببروكسل، تتعلق بالتضامن مع إسبانيا والاعتراف بالوضعية الخاصة للمدينتين والدعم الأوروبي لمعالجة أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي.
ويأتي التحرك الإسباني بعد يوم واحد من انتهاء الزيارة الرسمية التي قام بها الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر، في وقت أثارت فيه الزيارة اعتراضات سياسية مغربية، وسط تساؤلات بشأن انعكاسات إدراج الملف في وثيقة أوروبية على العلاقات بين الرباط ومدريد.
غير أن التطور المعلن لا يتعلق بقرار أوروبي نهائي، بل بمسودة خلاصات يناقشها قادة الدول الأعضاء السبع والعشرين خلال قمتهم المنعقدة يومي 15 و16 أكتوبر، ولم يثبت بعد اعتمادها بصيغتها المقترحة.
ووفق وكالة «Europa Press» الإسبانية، التي اطلعت على أحدث مشروع للخلاصات، تتضمن الوثيقة فقرة مستقلة تتناول سبتة ومليلية، خارج القسم المخصص للسياسة العامة للهجرة، وتقر بما تصفه بالوضعية الخاصة للمدينتين باعتبارهما، وفق النص المقترح، تضمان الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي في القارة الإفريقية.
المصدر الأصلي | Europa Press – تصريحات سانشيز ومسودة قمة بروكسل، 15 أكتوبر 2026
سبتة ومليلية في قمة بروكسل.. ما النقاط الثلاث التي أشاد بها سانشيز؟
خلال تصريحاته للصحافيين عند وصوله إلى مقر المجلس الأوروبي، أعرب سانشيز عن ارتياحه لمضمون المسودة، معتبراً أنها تتضمن ثلاثة عناصر أساسية بالنسبة إلى الحكومة الإسبانية.
يتعلق العنصر الأول بإظهار التضامن الأوروبي مع إسبانيا على خلفية أزمة العبور الجماعي للمهاجرين إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، وما أعقبها من ضغوط أمنية وإدارية وإنسانية على المدينة.
أما العنصر الثاني فيهم الاعتراف بالخصوصية الجغرافية والمؤسساتية لسبتة ومليلية، باعتبارهما، وفق المقاربة التي تدافع عنها مدريد، نقطتين من الحدود البرية الخارجية للاتحاد الأوروبي في شمال إفريقيا.
ويرتبط العنصر الثالث بالتزام المؤسسات الأوروبية بالمساهمة في معالجة تداعيات أزمة سبتة، مع التنويه بالدعم المالي والعملياتي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي للسلطات الإسبانية.
ولا تتضمن التفاصيل المنشورة قيمة تمويل جديد تمت الموافقة عليه ضمن هذه المسودة، كما أن الإشادة بالدعم السابق لا تعني تلقائياً إقرار اعتمادات مالية إضافية.
ونقلت وكالة الأنباء الإيطالية «ANSA» عن سانشيز تأكيده أن تدبير الهجرة يحتاج إلى المسؤولية والتضامن واحترام حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن التعاون الأوروبي يمثل عنصراً أساسياً لمعالجة الأزمة التي شهدتها سبتة.
المصدر | وكالة ANSA الإيطالية – تصريحات سانشيز في بروكسل، 15 أكتوبر 2026
وتبرز أهمية إدراج المدينتين في فقرة مستقلة من كون الحكومة الإسبانية تسعى إلى التعامل مع أزمة سبتة باعتبارها مسألة تتعلق بالحدود الخارجية والأمن الأوروبي، وليس مجرد تحد مرتبط بتدبير الهجرة على المستوى الوطني.
لكن هذا الاختيار في صياغة مشروع الخلاصات لا يسمح وحده باستنتاج اتخاذ الاتحاد الأوروبي إجراءات تنفيذية جديدة، أو تخصيص تمويلات إضافية، أو تغيير الوضع القانوني للمدينتين.
هل اعترفت أوروبا بوضع جديد لسبتة ومليلية؟
من الضروري التمييز بين الاعتراف بالخصوصية الجغرافية للمدينتين، كما ورد في مشروع الخلاصات، وبين اتخاذ قرار قانوني جديد بشأن السيادة عليهما.
فسبتة ومليلية تخضعان للإدارة الإسبانية، وتعتبرهما مدريد جزءاً من ترابها الوطني، في حين يظل وضعهما موضوع خلاف تاريخي مع المغرب، وتطالب قوى سياسية مغربية باسترجاعهما.
ولا تنشئ الإشارة إلى المدينتين داخل مسودة سياسية أوروبية، في حد ذاتها، حكماً قضائياً بشأن السيادة، كما لا تعني التوصل إلى اتفاق جديد بين المغرب وإسبانيا حول وضعهما.
ويتوقف الأثر السياسي المباشر للمبادرة على الصياغة التي ستعتمدها القمة الأوروبية في نهاية مداولاتها، وما إذا كانت ستتضمن تكليفاً للمؤسسات الأوروبية باتخاذ إجراءات محددة.
وبحسب القواعد المعمول بها داخل المجلس الأوروبي، تُعتمد خلاصات القمم بتوافق الدول الأعضاء، وتُستخدم لتحديد الأولويات والتوجهات السياسية للاتحاد، ولا تتحول تلقائياً إلى تشريعات ملزمة أو قرارات تنفيذية.
وتؤكد الأجندة الرسمية لاجتماع 15 و16 أكتوبر أن قادة الاتحاد يناقشون، إلى جانب الهجرة، قضايا الطاقة والتنافسية والميزانية الأوروبية للفترة 2028-2034 وأوكرانيا والشرق الأوسط.
المصدر الرسمي | المجلس الأوروبي – اجتماع 15 و16 أكتوبر 2026
بعد الزيارة الملكية.. مدريد تربط التحرك الأوروبي بأزمة سبتة
ربط بيدرو سانشيز تصريحاته الجديدة بالزيارة التي قام بها الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى المدينتين، معتبراً أنها تمثل خطوة إضافية نحو استعادة الحياة الطبيعية بعد أزمة يوليوز.
ووصف الزيارة بأنها تعبير عن قرب مؤسسات الدولة الإسبانية من سكان سبتة ومليلية، مؤكداً أن حكومته تعمل منذ أشهر على معالجة تداعيات العبور الجماعي.
وأفاد رئيس الحكومة الإسبانية بأن أكثر من 12 ألف شخص عادوا طوعاً إلى المغرب منذ أحداث نهاية يوليوز، بينهم أكثر من 2500 شخص خلال أكتوبر الجاري، وفق الحصيلة التي قدمها للصحافيين.
وتبقى هذه الأرقام منسوبة إلى سانشيز، ولا تمثل حصيلة مشتركة منشورة من الحكومتين المغربية والإسبانية.
وكان MarocActu24 قد تابع الزيارة الملكية، التي تعد الأولى من نوعها منذ 19 عاماً، وتضمنت مبيت فيليبي السادس والملكة ليتيثيا في سبتة قبل الانتقال إلى مليلية.
واكتسب قرار المبيت أهمية خاصة مقارنة بزيارة الملك السابق خوان كارلوس الأول سنة 2007، التي أثارت أزمة دبلوماسية دفعت المغرب حينها إلى استدعاء سفيره من مدريد.
اقرأ أيضاً | بعد 19 عاماً.. ملك إسبانيا يدخل سبتة ويقرر المبيت فيها لأول مرة وسط صمت دبلوماسي مغربي معلن
وأثارت زيارة أكتوبر 2026 اعتراضاً من تحالف اليسار المغربي، الذي أصدر بياناً يوم 14 أكتوبر وصف فيه الخطوة بأنها تصعيد ضد المغرب، وانتقد ما سماه الصمت الرسمي للحكومة المغربية.
ويمثل هذا الموقف اعتراضاً حزبياً، ولا يمكن تقديمه باعتباره احتجاجاً دبلوماسياً رسمياً صادراً عن الدولة المغربية.
🟦 اقرأ أيضاً | تحالف اليسار يهاجم زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية وينتقد صمت الحكومة
https://marocactu24.com/2026/10/14/زيارة-ملك-إسبانيا-لسبتة-ومليلية-19-عاما/
339 صوتاً أوروبياً سبقت تحرك سانشيز الجديد
لا يأتي إدراج سبتة ومليلية في مشروع خلاصات القمة من فراغ، إذ سبق للبرلمان الأوروبي أن صادق، يوم 17 شتنبر 2026، على قرار بشأن أزمة العبور الجماعي إلى سبتة.
وحصل القرار على تأييد 339 نائباً، مقابل معارضة 225 وامتناع 16 عن التصويت، وتضمن دعوة إلى ربط جوانب من التمويلات والامتيازات الأوروبية الممنوحة للدول الشريكة بالتعاون الفعال في تدبير الهجرة والحدود وإعادة القبول.
ووجّه البرلمان ضمن النص مطالب إلى المغرب بشأن التعاون في مكافحة تهريب المهاجرين والتعرف على الأشخاص وتدبير عمليات الإعادة.
لكن القرار البرلماني لم يوقف تمويلاً أوروبياً محدداً موجهاً للمغرب، ولم يتضمن إجراءً تنفيذياً مباشراً يقضي بقطع المساعدات المالية.
كما يختلف هذا القرار عن مشروع خلاصات المجلس الأوروبي الحالي، لأن المؤسستين لا تملكان الاختصاصات نفسها، ولأن التصويت البرلماني لا يعني تلقائياً تبني الحكومات السبع والعشرين جميع مضمونه.
وكان MarocActu24 قد تناول هذه التطورات في تقرير سابق خصصه للعلاقة بين التمويلات الأوروبية والتعاون مع المغرب بعد أزمة سبتة.
اقرأ أيضاً | 339 صوتاً تفتح ملف أموال المغرب.. البرلمان الأوروبي يربط التمويلات بالتعاون بعد أزمة سبتة
سانشيز يتحدث عن حادث بحري ويؤكد استمرار التعاون مع المغرب
إلى جانب مشروع الخلاصات الأوروبية، سُئل سانشيز عن تقارير إسبانية كشفت دخول قطع تابعة للبحرية المغربية إلى مياه تعتبرها مدريد خاضعة لسيادتها قرب سبتة خلال أزمة يوليوز.
وفي رده، وصف رئيس الحكومة الإسبانية الواقعة بأنها حادث محدود، مؤكداً أنه جرى التعامل معها عبر قنوات التواصل بين الجانبين، وأن أحداثاً مماثلة لم تتكرر خلال الأشهر التالية، وفق المعلومات التي قدمها.
وتبقى تفاصيل هذا الحادث مرتبطة بالرواية الإسبانية المنشورة، دون أن تتوفر في المصادر المعتمدة وثائق مغربية رسمية توضح الملابسات أو الموقف من التوصيف الذي قدمته مدريد.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الثنائية، جدد سانشيز تمسك حكومته بإقامة علاقات بناءة وحسن جوار مع المغرب، رغم التوترات المرتبطة بالهجرة والحدود.
ويكشف الجمع بين هذه التصريحات ومشروع الخلاصات الأوروبية عن توجه إسباني يقوم على تعزيز حضور سبتة ومليلية في المؤسسات الأوروبية، مع الحفاظ على التعاون الدبلوماسي والأمني والاقتصادي مع الرباط.
غير أن التقدم الذي تحدث عنه سانشيز لا يزال، حتى المعطيات المنشورة بتاريخ 15 أكتوبر، مرتبطاً بمسودة سياسية تنتظر اعتمادها النهائي، ولا يثبت صدور قرار أوروبي جديد يغير الوضع القانوني للمدينتين أو يفرض التزامات إضافية على المغرب.
وبين الزيارة الملكية الإسبانية يومي 13 و14 أكتوبر، ومشروع خلاصات قمة بروكسل يومي 15 و16 أكتوبر، انتقل ملف سبتة ومليلية إلى مستوى أوروبي أوسع في الخطاب الدبلوماسي الإسباني.
أما التطور الحاسم الذي ينبغي تتبعه، فهو النص النهائي الذي سيصدر عن قادة الدول السبع والعشرين، ومدى احتفاظه بالنقاط الثلاث التي احتفى بها سانشيز، وما إذا كانت ستترتب عنه إجراءات عملية جديدة تتعلق بالدعم الأوروبي وتدبير أزمة الهجرة.


