بقلم: ياسر الحيداوي
أعاد تحذير أممي جديد ملف المقاصة في المغرب إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بعدما كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الأحد 11 أكتوبر 2026، أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء قد يدفع نحو 130 مليون شخص إضافي إلى الفقر عالمياً في حال انتقال الزيادات بالكامل إلى المستهلكين دون إجراءات حكومية للحماية، في وقت أظهرت بيانات الخزينة العامة للمملكة أن إصدارات نفقات المقاصة بلغت 11.1 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، مستهلكة نحو 80.5 في المائة من الغلاف السنوي المبرمج.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية بالنظر إلى استمرار الضغوط على أسعار المحروقات والمواد الأساسية، بعدما خصص المغرب 13.77 مليار درهم لدعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين خلال سنة 2026، بينما سبق لصندوق النقد الدولي أن حذر من احتمال ارتفاع التضخم بنصف نقطة مئوية إضافية وتراجع النمو الاقتصادي بالمقدار نفسه، نتيجة تداعيات النزاع في الشرق الأوسط.
واللافت أن التحذير الأممي لا يتعلق بارتفاع الأسعار وحده، بل بتراجع قدرة الحكومات النامية على تحمل كلفة التدخل لحماية المستهلكين، مع زيادة أعباء الدين واحتمال اضطراب الإنتاج الغذائي بسبب الظواهر المناخية.
غير أن رقم 130 مليون شخص لا يمثل حصيلة فعلية لمن سقطوا في الفقر خلال سنة 2026، ولا يتضمن تقديراً منفصلاً للمغرب، وإنما يستند إلى محاكاة اقتصادية تقيس حجم المخاطر في سيناريو تغيب فيه إجراءات الدعم والتعويض.
130 مليون شخص أمام خطر الفقر.. ماذا كشف تقرير الأمم المتحدة؟
حمل التقرير الجديد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عنوان «No Time to Recover: Compounding Crises, Depleted Fiscal Buffers, and What It Means for Developing Economies»، أي «لا وقت للتعافي: أزمات متراكمة وهوامش مالية مستنزفة وما يعنيه ذلك للاقتصادات النامية».
واعتمد البرنامج على بيانات اقتصادية شملت 159 دولة تمثل نحو 97 في المائة من سكان العالم، بهدف تقدير أثر انتقال الزيادات في أسعار الطاقة والغذاء إلى ميزانيات الأسر.
وافترض السيناريو المركزي ارتفاع أسعار الطاقة التي يؤديها المستهلكون بنسبة 30 في المائة، مقابل زيادة أسعار المواد الغذائية بنسبة 10 في المائة، دون تدخل حكومي لتعويض الخسائر في القدرة الشرائية.
وأظهرت المحاكاة احتمال سقوط 132 مليون شخص إضافي تحت عتبة دخل تعادل 6.85 دولارات يومياً، مقابل 121 مليون شخص تحت عتبة 3.65 دولارات، ونحو 66 مليوناً تحت عتبة الفقر المدقع المحددة في 2.15 دولار يومياً، وفق معيار تعادل القوة الشرائية لسنة 2017.
ولا يجوز جمع هذه الفئات للحصول على حصيلة إجمالية، لأن الأشخاص الواقعين تحت عتبة الفقر الأشد يدخلون أيضاً ضمن الفئات المحسوبة باستخدام العتبات الأعلى.
كما أن الأرقام لا تعني أن هؤلاء الأشخاص أصبحوا فقراء بالفعل، بل تعبر عن خسارة محتملة في مستويات المعيشة إذا انتقلت صدمات الأسعار بالكامل إلى الأسر.
وأوضح الباحثون أن النموذج لا يحتسب التغيرات التي قد تدخلها الأسر على استهلاكها استجابة للغلاء، مثل استبدال بعض المنتجات بأخرى أقل كلفة أو تقليص النفقات غير الأساسية.
ولهذا ينبغي قراءة النتائج باعتبارها تقديراً للمخاطر في سيناريو محدد، لا توقعاً حتمياً لما سيحدث بحلول نهاية السنة.
المصدر الأممي الأصلي | برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – تقرير 11 أكتوبر 2026
وتكشف المعطيات التي جمعها البرنامج من 130 دولة أن أسعار البنزين ارتفعت بمتوسط 26 في المائة منذ بداية الأزمة في الشرق الأوسط أواخر فبراير، مقابل زيادة بلغت 38 في المائة بالنسبة إلى الغازوال.
ولم تتمكن سوى دولة واحدة تقريباً من كل عشر دول شملتها المتابعة من إبقاء أسعار الوقود دون تغيير، في مؤشر على صعوبة عزل الأسواق الداخلية عن التقلبات الدولية.
كما سجل التقرير بلوغ متوسط سعر خام برنت نحو 102 دولار للبرميل خلال شتنبر 2026، بزيادة قدرها 22 في المائة مقارنة بيوليوز.
وحذر البرنامج من أن قيمة الدعم المباشر العالمي للوقود الأحفوري قد تتجاوز تريليون دولار خلال السنة الجارية إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة.
وتتزامن هذه الضغوط مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، إذ أصبحت الدولة النامية الوسيطة تخصص نحو 9.5 في المائة من إيراداتها الحكومية لتسديد فوائد الدين وحدها، وهي نسبة لم تبلغ هذا المستوى منذ نحو ربع قرن.
ويعني ذلك أن الحكومات تواجه معادلة مالية معقدة: استمرار الدعم لحماية الأسر يرفع كلفة الميزانية، بينما يؤدي تقليص الحماية إلى تعريض القدرة الشرائية لضغوط إضافية.
وبحسب المحاكاة الأممية، فإن التعويض الكامل لجميع الأسر عن خسائر القوة الشرائية قد يكلف نحو 1.1 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي للدول النامية المشمولة بالحسابات.
أما توجيه التعويضات إلى الأسر التي تعيش تحت عتبة 6.85 دولارات يومياً، فقد يخفض الكلفة المقدرة إلى نحو 0.3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
لكن تحقيق هذا الوفر يفترض توفر قواعد بيانات دقيقة لتحديد المستفيدين وآليات فعالة لصرف المساعدات دون استبعاد الأسر المستحقة.
المصدر الرسمي | الأمم المتحدة الإنمائي – بلاغ التحذير من تكاليف الاقتراض وارتفاع الأسعار
المقاصة في المغرب.. 11.1 مليار درهم خلال 8 أشهر
تزداد أهمية التحذير الأممي عند مقارنته بتطور نفقات المقاصة في المغرب خلال سنة 2026.
فبحسب نشرة إحصائيات المالية العمومية الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة في شتنبر، بلغت إصدارات نفقات المقاصة 11.1 مليار درهم إلى نهاية غشت 2026، بزيادة قدرها 71.3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ويمثل هذا المبلغ نحو 80.5 في المائة من الاعتمادات السنوية المبرمجة، البالغة 13.77 مليار درهم.
وبعملية حسابية مباشرة، يبلغ الفرق بين الغلاف الأصلي وإصدارات النفقات المسجلة نحو 2.67 مليار درهم، أي ما يقارب 267 مليار سنتيم.
لكن هذا الفرق الحسابي لا يعني أن الاعتمادات المتاحة فعلياً ستظل بهذا المستوى حتى نهاية السنة، لأن تنفيذ الميزانية يتأثر بتوقيت إصدار النفقات وتسويتها وبالتحويلات أو التعديلات التي قد تطرأ على الاعتمادات وفق القواعد المالية المعمول بها.
كما أن نسبة 80.5 في المائة لا تثبت استنفاد ميزانية المقاصة أو حتمية تجاوزها قبل نهاية دجنبر.
غير أن ارتفاع الإصدارات بأكثر من 71 في المائة خلال سنة واحدة يوضح حجم الضغط الذي تعرض له هذا البند من الإنفاق العمومي.
وكان MarocActu24 قد تناول هذه المعطيات في 15 شتنبر 2026، بعدما أظهرت بيانات الخزينة أن أكثر من أربعة أخماس الغلاف السنوي للمقاصة استُعملت محاسبياً خلال ثمانية أشهر فقط.
وخلصت المقارنة آنذاك إلى أن متوسط إصدارات النفقات بلغ نحو 1.39 مليار درهم شهرياً بين يناير وغشت، مقابل فرق حسابي مع الاعتماد الأصلي لا يتجاوز 2.67 مليار درهم للأشهر الأربعة المتبقية.
ولا يسمح هذا المتوسط وحده بتوقع النفقات النهائية، لأن كلفة المقاصة قد تختلف من شهر إلى آخر بحسب أسعار المواد المدعمة والكميات المستهلكة وتوقيت المعالجة المحاسبية.
اقرأ أيضاً | 1110 مليارات سنتيم في 8 أشهر.. المقاصة تستهلك 80.5% من غلاف 2026
وتوضح وثائق وزارة الاقتصاد والمالية أن الغلاف المبرمج لسنة 2026 يستهدف مواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين.
وكانت كلفة دعم غاز البوتان قد بلغت نحو 8.5 مليارات درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2025، مقابل 3.413 مليارات درهم لدعم السكر الخام والمكرر، و1.137 مليار درهم لدعم القمح اللين المستورد والدقيق الوطني للقمح اللين.
وتخص هذه الأرقام سنة 2025، ولا يجوز تقديم مجموعها باعتباره حصيلة تنفيذ نفقات المقاصة خلال سنة 2026.
كما ينبغي مراعاة اختلاف طبيعة البيانات الواردة في التقارير القطاعية للمقاصة عن إصدارات النفقات التي تعرضها الخزينة العامة للمملكة، قبل إجراء أي مقارنة مباشرة بين السلاسل الإحصائية.
أما بالنسبة للسنة الجارية، فتظل بيانات الخزينة إلى نهاية غشت أحدث مرجع أمكن الاستناد إليه في هذا التحليل لتحديد وتيرة تنفيذ نفقات المقاصة.
المصدر الرسمي | وزارة الاقتصاد والمالية – التقرير التركيبي حول المقاصة برسم 2026
صندوق النقد الدولي يحذر من تضخم إضافي وتراجع النمو
لا تقتصر انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة على كلفة المقاصة، لأن المغرب يعتمد على الواردات لتلبية جانب مهم من حاجياته الطاقية.
وفي تقييم تكميلي أصدره صندوق النقد الدولي بتاريخ 17 مارس 2026، أشار إلى أن واردات الطاقة المغربية خلال سنة 2025 مثلت نحو 6.3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
وافترض الصندوق، ضمن سيناريو لتداعيات النزاع في الشرق الأوسط، ارتفاع أسعار الوقود المستورد بنسبة 20 في المائة وأسعار المواد الغذائية بنسبة 3 في المائة مقارنة بفرضياته المرجعية.
وقدّر أن هذه التطورات قد تؤدي إلى ارتفاع التضخم بنحو 0.5 نقطة مئوية إضافية خلال سنة 2026، وانخفاض النمو الحقيقي بالمقدار نفسه.
كما توقع اتساع عجز الحساب الجاري بنحو 1.4 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة 0.9 نقطة مئوية من الناتج الداخلي الإجمالي، مقارنة بالسيناريو المرجعي.
وتستمد هذه التقديرات أهميتها من كون أسعار البنزين والغازوال محررة بالمغرب منذ نهاية سنة 2015، ما يسمح بانتقال تقلبات الأسواق الدولية إلى أسعار البيع الداخلية وتكاليف النقل والإنتاج والتوزيع.
وفي المقابل، يستمر تدخل الدولة عبر دعم غاز البوتان وبعض المواد الغذائية، إضافة إلى آليات أخرى موجهة إلى قطاعات وفئات محددة.
غير أن توقعات صندوق النقد تستند إلى فرضيات تعود إلى مارس الماضي، ولا تمثل قياساً محيناً لمعدل التضخم أو النمو الاقتصادي عند حلول أكتوبر 2026.
كما أن أثر أسعار النفط على الاقتصاد لا يتوقف على حركة البرميل وحدها، بل يرتبط كذلك بسعر الصرف وتكاليف الاستيراد وهوامش التوزيع والضرائب والطلب الداخلي.
المصدر الرسمي | صندوق النقد الدولي – التقييم التكميلي لتداعيات النزاع على اقتصاد المغرب، مارس 2026
وفي سياق مواجهة ارتفاع المحروقات، سبق للحكومة المغربية أن أعلنت، يوم 30 شتنبر 2026، استمرار صرف الدعم المباشر والاستثنائي لمهنيي نقل البضائع والأشخاص، مع ربط قيمته بتطور الأسعار الدولية للوقود.
كما أفادت المعطيات الحكومية المقدمة خلال الاجتماع الوزاري بأن مخزون الغازوال وغاز البوتان يغطي فترة تتراوح بين 40 و60 يوماً.
وتتعلق هذه الإجراءات بآليات مختلفة عن الدعم المباشر لأسعار المواد الثلاث المشمولة بالغلاف الأصلي للمقاصة، ولذلك ينبغي عدم الخلط بين كلفتها المالية والاعتماد البالغ 13.77 مليار درهم دون توفر تفصيل محاسبي رسمي يسمح بالمقارنة.
لكنها تعكس تعدد القنوات التي تستخدمها الدولة للتخفيف من انتقال ارتفاع الأسعار إلى تكاليف النقل والمواد والخدمات.
اقرأ أيضاً | بعد تعيين المنصوري بـ24 ساعة.. أخنوش يواصل دعم النقل ومخزون الوقود يكفي 40 إلى 60 يوماً
ولا تتوقف المخاطر التي حذر منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عند أسعار النفط، بل تشمل أيضاً احتمالات اضطراب الإنتاج الزراعي نتيجة اشتداد ظاهرة «إل نينيو».
ويرى البرنامج أن تزامن الصدمات المناخية مع ارتفاع أسعار الطاقة والاقتراض قد يزيد الضغط على ميزانيات الدول المستوردة للمواد الأساسية، خصوصاً إذا امتدت الاضطرابات إلى المحاصيل وسلاسل التوريد خلال سنة 2027.
ولا يقدم التقرير توقعاً خاصاً بحجم الإنتاج الفلاحي المغربي، أو نسبة ارتفاع أسعار الغذاء داخل المملكة، لكنه يبرز أهمية الاستعداد لتداخل الصدمات الاقتصادية والمناخية.
وبالنسبة للمغرب، يفتح هذا الوضع سؤالاً حول قدرة منظومة الحماية الاجتماعية على التكيف مع تقلب تكاليف المعيشة، خصوصاً في ظل استمرار العمل بنظام المقاصة والدعم الاجتماعي المباشر.
فالدعم الموجه إلى أسعار بعض المواد الأساسية يمكن أن يخفف أثر ارتفاع كلفتها، لكنه لا يغطي تلقائياً جميع الزيادات التي قد تطال النقل والسكن والخدمات والمواد غير المدعمة.
كما أن فعالية الدعم الاجتماعي المباشر تحتاج إلى تقييم يعتمد على قيمة التحويلات، ومستويات دخل المستفيدين، وتطور نفقات الأسر، ومدى وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ويبرز هنا سؤال آخر يتعلق بقدرة نظام الاستهداف على مواكبة الأسر التي قد تتراجع قدرتها الشرائية نتيجة صدمة جديدة، حتى إن لم تكن مصنفة سابقاً ضمن الفئات الأشد فقراً.
ولهذا دعا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تعزيز المساعدات المؤقتة والموجهة بدقة، مع توفير تمويل دولي ميسر للدول التي تعاني ضيق الهوامش المالية.
لكن الانتقال نحو الاستهداف لا يمثل ضمانة تلقائية لخفض الفقر، إذ تتوقف النتائج على جودة البيانات ودقة تحديد المستفيدين وقيمة المساعدة ومدى سرعة صرفها.
وفي الحالة المغربية، تبرز الحاجة إلى معطيات مالية محينة بشأن تنفيذ نفقات المقاصة خلال شتنبر والأشهر المتبقية من السنة، خصوصاً مع استمرار التقلبات الدولية في أسعار الطاقة.
كما يستدعي تقييم الحماية من الغلاء مقارنة كلفة دعم الأسعار بالأثر الفعلي للتحويلات الاجتماعية المباشرة على دخل الأسر وقدرتها على مواجهة ارتفاع نفقات الاستهلاك.
ولا تسمح الوثائق التي جرى تحليلها بتحديد مقدار الزيادة الفعلية التي طرأت على نفقات المقاصة خلال شتنبر 2026، أو الجزم بأن الغلاف السنوي سيتجاوز الاعتمادات الأصلية عند إقفال السنة المالية.
لكن المعطيات المتاحة تقدم صورة تستحق المتابعة: 11.1 مليار درهم من إصدارات نفقات المقاصة خلال ثمانية أشهر، مقابل غلاف مبرمج يبلغ 13.77 مليار درهم، بالتزامن مع تحذير أممي من أن تراجع الحماية الحكومية قد يعرض ملايين الأسر عالمياً لخسائر إضافية في القدرة الشرائية.
وبين سيناريو عالمي يضع نحو 130 مليون شخص أمام خطر الفقر، وارتفاع كلفة حماية الأسعار بالمغرب، يصبح السؤال الذي ينتظر جواباً من وزارة الاقتصاد والمالية هو مقدار ما نُفذ فعلياً من اعتمادات المقاصة حتى نهاية شتنبر، وما الموارد والتدابير المتاحة لحماية القدرة الشرائية خلال الأشهر الأخيرة من 2026، دون افتراض أن استمرار الدعم أو تغييره يحقق النتيجة نفسها لجميع الأسر.


