بقلم: ياسر الحيداوي
تمويلات البنك الدولي للمغرب تعود إلى الواجهة من زاوية جديدة، بعدما كشفت أحدث البيانات المالية المنشورة إلى غاية 30 شتنبر 2026 أن برنامجين بقيمة إجمالية تبلغ 650 مليون دولار، مخصصين لتسريع التحول الرقمي وتعزيز الصمود المالي أمام المخاطر المناخية والكوارث، لا تظهر بشأنهما أي مبالغ مصروفة في المنصة الرسمية، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على موافقة المؤسسة الدولية عليهما.
وتتعلق هذه الوضعية بتمويلين وافق عليهما مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي يوم 12 يونيو 2026، تبلغ قيمة الأول 250 مليون دولار لدعم التحول الرقمي، بينما يخصص الثاني 400 مليون دولار لتطوير أدوات مواجهة المخاطر المناخية والكوارث والمخاطر السيبرانية.
واللافت أن التمويلين يظهران في قاعدة البيانات تحت وضعية «Signed»، أي الاتفاقية الموقعة، فيما ترد علامة خالية من مبلغ الصرف في الخانة المخصصة للأموال المسحوبة.
ولا يعني ذلك أن المغرب خسر التمويلين أو أن الأموال اختفت، كما لا يثبت أن المشاريع المرتبطة بهما لم تشهد أي إجراءات تحضيرية أو تنفيذية.
لكنه يطرح سؤالاً بشأن توقيت بدء السحب والشروط التي ما تزال مرتبطة بتحويل التمويلات المعتمدة إلى مبالغ مصروفة ونتائج قابلة للقياس.
تمويلات البنك الدولي للمغرب.. 250 مليون دولار للرقمنة دون صرف مسجل
تكشف المنصة المالية للبنك الدولي أن برنامج «تسريع التحول الرقمي بالمغرب»، المسجل تحت المرجع P513936 ورقم القرض IBRD99740، تبلغ قيمته الأصلية 250 مليون دولار.
وصادق مجلس إدارة البنك على البرنامج بتاريخ 12 يونيو 2026، مع تحديد 30 يونيو 2031 موعداً لإقفاله، بينما تظهر حالته المالية في خانة الاتفاقيات الموقعة دون تسجيل مبلغ مصروف إلى غاية نهاية شتنبر.
ويستهدف البرنامج دعم استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، من خلال تطوير الخدمات الإدارية الرقمية الموجهة للمواطنين والمقاولات، وتوسيع استعمال الحوسبة السحابية داخل الإدارة، ودعم الابتكار المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
كما يشمل تعزيز تمويل المقاولات الناشئة، ومواكبة رقمنة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتنمية المهارات الرقمية وخلق فرص شغل في الأنشطة المرتبطة بالخدمات والتكنولوجيا.
وكان البنك الدولي قد أعلن عند الموافقة على البرنامج أنه يستهدف تعبئة ما يقارب 200 مليون دولار من رؤوس الأموال الخاصة لدعم المقاولات الناشئة والتحول الرقمي للمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
وهذا الرقم الأخير يمثل هدفاً لتعبئة استثمارات خاصة، ولا يدخل ضمن القيمة الأصلية للقرض البالغة 250 مليون دولار، كما لا يجوز اعتباره تمويلاً تحقق بالفعل.
وتطرح وضعية الصرف سؤالاً بشأن المرحلة التي بلغها البرنامج، خصوصاً ما يتعلق بتفعيل آليات تمويل المقاولات، وإطلاق الخدمات الرقمية المستهدفة، واستيفاء الشروط المرتبطة بالحصول على الدفعات المالية.
المصدر المالي الرسمي | البنك الدولي – وضعية القروض والمشاريع بالمغرب إلى غاية 30 شتنبر 2026
وكان MarocActu24 قد تابع في 13 يونيو 2026 إعلان البنك الدولي الموافقة على التمويلين، موضحاً أهدافهما المرتبطة بالرقمنة والصمود أمام المخاطر.
لكن البيانات المالية الجديدة تضيف مستوى آخر للتتبع، يتعلق بالتمييز بين الأموال التي وافقت المؤسسة الدولية على تقديمها والمبالغ التي بدأ سحبها فعلياً.
اقرأ أيضاً | البنك الدولي يضخ 650 مليون دولار لدعم الرقمنة ومواجهة مخاطر المناخ بالمغرب
أما البرنامج الثاني، الذي يحمل اسم «تمويل المخاطر المناخية وتعزيز الصمود المالي بالمغرب»، والمسجل تحت المرجع P511813 ورقم القرض IBRD99800، فتبلغ قيمته 400 مليون دولار.
وقد وافق عليه البنك الدولي في 12 يونيو 2026، وحدد 31 ماي 2031 موعداً لإقفاله، بينما تظهر وضعيته المالية أيضاً في مرحلة الاتفاقية الموقعة دون مبلغ صرف مسجل.
ويهدف البرنامج إلى تقوية قدرة المغرب على مواجهة الصدمات المناخية والكوارث الطبيعية والمخاطر السيبرانية، عبر تطوير أدوات التأمين والتمويل المسبق وتحسين استعداد المؤسسات المالية للتعامل مع الأزمات.
ويتضمن كذلك دعم البنيات المالية والرقمية التي تسمح بتسريع تحويل الأموال بعد وقوع الكوارث، وتقوية قدرات الجهات التنظيمية على مراقبة مخاطر المناخ والهجمات السيبرانية داخل القطاع المالي.
وبحسب البلاغ الرسمي للبنك الدولي، يستهدف البرنامج خلال خمس سنوات تعبئة استثمارات خاصة تصل إلى 400 مليون دولار، وإنشاء ترتيبات للتمويل المسبق للكوارث بقيمة مليار دولار، فضلاً عن توسيع تغطية المخاطر السيبرانية لتشمل ما لا يقل عن 20 مؤسسة مالية.
غير أن هذه المبالغ والمؤشرات تمثل أهدافاً مستقبلية للبرنامج، وليست أموالاً صرفت بالفعل أو نتائج تحقق إنجازها عند المصادقة على التمويل.
كما أن مبلغ المليار دولار المخصص لترتيبات التمويل المسبق للكوارث لا يمثل قرضاً إضافياً ممنوحاً مباشرة للمغرب ضمن التمويل الأصلي البالغ 400 مليون دولار.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – بلاغ الموافقة على برنامجي الرقمنة والصمود المناخي، 12 يونيو 2026
43.5 مليون دولار للحماية الاجتماعية.. ماذا تكشف المقارنة؟
تزداد أهمية قراءة تمويلات البنك الدولي للمغرب عند مقارنتها بقروض أخرى تظهر بشأنها مبالغ مصروفة داخل المنصة المالية نفسها.
فبرنامج «تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي من أجل التنمية البشرية بالمغرب»، الذي يحمل المرجع P507373، حصل على موافقة البنك الدولي بتاريخ 18 يونيو 2025، بتمويل قدره 250 مليون دولار.
وبحسب وضعية 30 شتنبر 2026، بلغ المبلغ المصروف من هذا القرض نحو 43.496 مليون دولار، أي حوالي 17.4 في المائة من القيمة الأصلية للتمويل.
ويهدف المشروع إلى تحسين فعالية منظومة الدعم الاجتماعي المباشر، وتقوية وصول الأسر الفقيرة والهشة إلى التحويلات المالية والخدمات الاجتماعية، ودعم الإدماج الاقتصادي وتعزيز حكامة الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي.
لكن نسبة 17.4 في المائة لا تعني أن النسبة نفسها فقط من الأسر استفادت من الدعم المباشر، لأن القرض يتعلق بمشروع ممول دولياً ضمن منظومة وطنية أوسع، كما أن السحب المالي لا يساوي بصورة آلية نسبة الإنجاز الميداني.
وتكشف المنصة كذلك أن برنامج سياسات التنمية المرتبط بالتشغيل والنمو الأخضر، المسجل تحت المرجع P513503، تبلغ قيمته الأصلية 500 مليون دولار، وقد سجل صرف نحو 485.67 مليون دولار.
ويمثل هذا المستوى نحو 97.1 في المائة من القيمة الأصلية للقرض، لكنه لا يسمح بمقارنة مباشرة مع برنامجي الرقمنة والمناخ أو مشروع الحماية الاجتماعية.
فالبرنامج المرتبط بالتشغيل والنمو الأخضر يعتمد أداة لتمويل سياسات التنمية، وهي آلية قد تتيح الصرف بوتيرة أسرع بعد استيفاء شروط الإصلاح المتفق عليها، بخلاف تمويلات مرتبطة بالاستثمارات أو بالنتائج ومراحل التنفيذ.
ومن ثم، فإن اختلاف سرعة السحب لا يثبت بمفرده نجاح برنامج أو تعثر آخر، ما لم تُفحص طبيعة القرض واتفاقيته وشروط النفاذ والصرف ومؤشرات الإنجاز.
وتصبح هذه التفرقة ضرورية خصوصاً عند تفسير غياب مبالغ مصروفة من قرضين حديثين، لأن الموافقة على التمويل وتوقيع الاتفاقية وبدء التنفيذ المالي مراحل ليست متطابقة بالضرورة.
وفي السياق نفسه، سبق لموقع MarocActu24 أن كشف، استناداً إلى تقرير للبنك الدولي نشر في شتنبر 2026، استمرار عدم تحقق ستة تقارير إحصائية مرتبطة بالمرصد الوطني للطلبيات العمومية، داخل برنامج «النجاعة» الممول بقيمة إجمالية تبلغ 700 مليون دولار.
كما سجل التقرير أن المسار التشريعي المرتبط بقانون الإدارة الرقمية يمتد إلى يونيو 2027، وهو مؤشر يتعلق ببرنامج آخر مستقل عن قرض تسريع التحول الرقمي البالغ 250 مليون دولار.
وتبرز هذه المعطيات أهمية تتبع النتائج والمؤشرات إلى جانب أرقام التمويل، دون الخلط بين البرامج المختلفة أو اعتبار الالتزامات غير المكتملة دليلاً على صرف أموال دون مقابل.
اقرأ أيضاً | 700 مليون دولار لإصلاح الإدارة.. البنك الدولي يرصد غياب 6 تقارير وقانون الرقمنة ينتظر 2027
وتطرح وضعية التمويلين الجديدين أسئلة مباشرة على المؤسسات المغربية المعنية بالتنفيذ، تتعلق بتاريخ دخول الاتفاقيات حيز النفاذ، والشروط المتبقية لبدء السحب، والجدول الزمني المتوقع للدفعات الأولى.
وفي برنامج الرقمنة، يحتاج التقييم إلى معطيات بشأن الخدمات الإدارية التي دخلت مرحلة التنفيذ، والآليات الموجهة لتمويل المقاولات، والنتائج التي يتعين تحقيقها لصرف التمويل.
أما في برنامج الصمود المالي، فتتعلق الأسئلة بمدى تقدم أدوات التأمين ضد المخاطر، وترتيبات التمويل المسبق للكوارث، والإجراءات المرتبطة بحماية المؤسسات المالية من المخاطر المناخية والسيبرانية.
ولا تسمح بيانات الصرف، وحدها، بالجزم بوجود تأخر مخالف لاتفاقيات التمويل، إذ يحتاج ذلك إلى مقارنة الوضعية الحالية بالجداول الأصلية والشروط التعاقدية والتقارير التنفيذية لكل برنامج.
كما لا يجوز اعتبار الأموال التي لم تُسحب نفقات عمومية صُرفت دون تحقيق نتائج، لأن الأمر يتعلق بتمويلات معتمدة لم يظهر بشأنها صرف في المنصة عند تاريخ الرصد.
لكن قيمة القرضين، البالغة 650 مليون دولار، وطبيعة الأهداف المرتبطة بهما، تجعل نشر معطيات واضحة بشأن تقدمهما مسألة مهمة لتقييم أثر التمويل الدولي على الخدمات العمومية والاقتصاد.
فالمعيار الذي ينبغي اعتماده لا يقتصر على قيمة القروض التي تمت المصادقة عليها، بل يشمل سرعة تفعيلها، واحترام المراحل المتفق عليها، وتحقيق المؤشرات التي يرتبط بها التمويل.
وبين 250 مليون دولار للرقمنة و400 مليون دولار لمواجهة المخاطر المناخية دون صرف مسجل حتى 30 شتنبر 2026، مقابل 43.5 مليون دولار مصروفة من قرض الحماية الاجتماعية، تضع بيانات البنك الدولي سؤال التنفيذ في صلب النقاش.
والسؤال الذي ينتظر توضيحاً مؤسساتياً ليس أين اختفت الأموال، لأنها لم تظهر أصلاً في خانة المبالغ المصروفة، وإنما أين وصلت إجراءات تفعيل البرنامجين، ومتى سيبدأ السحب، وكيف ستُترجم التمويلات المعتمدة إلى خدمات رقمية واستثمارات وقدرات مالية ملموسة لحماية المواطنين والمقاولات من المخاطر؟


