نظام تقييم الإعاقة بالمغرب يعود إلى الواجهة من بوابة أحدث معطيات المشتريات المرتبطة بمشروع الحماية الاجتماعية الممول من البنك الدولي، بعدما أظهرت الوثائق بقاء أربع عمليات تقنية ولوجستيكية، بقيمة تقديرية إجمالية تبلغ 5.1 ملايين دولار، أي نحو 4.59 مليارات سنتيم باعتماد سعر صرف تقريبي في حدود 9 دراهم للدولار، ضمن وضعية «في انتظار التنفيذ».
القضية لا تتعلق بمنصة رقمية ثانوية أو تطبيق إداري معزول. خلف مراجع الصفقات والمبالغ المحررة بالدولار يوجد ورش يرتبط بالأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم، وبمنظومة اختارتها الدولة لتقييم وضعية الإعاقة وتدبير مسار بطاقة الشخص في وضعية إعاقة.
وتكشف خطة المشتريات المرتبطة بمشروع الاستجابة الطارئة للحماية الاجتماعية بالمغرب، الذي يحمل رقم P172809 وقرض البنك الدولي IBRD 91870، عن عمليات مرتبطة بالنظام الجديد لتقييم الإعاقة «SEH»، وهو المشروع الذي تشرف عليه وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة.
المصدر الرئيسي | البنك الدولي – مشروع P172809 وخطة المشتريات
ولا تقوم العلاقة بين نظام تقييم الإعاقة وبطاقة الشخص في وضعية إعاقة على استنتاج صحفي. فالوزارة تدرج ضمن مكونات إرساء النظام وضع نظام معلوماتي خاص بمنح البطاقة، إلى جانب تجهيز مراكز التقييم وتقوية قدرات الفاعلين المعنيين.
كما تشير الوثائق الرسمية للوزارة إلى إعداد دفتر تحملات خاص بالنظام المعلوماتي الذي سيمكن من منح بطاقة الإعاقة، وإلى تعبئة تمويل من البنك الدولي لتنزيل مكونات تشمل النظام المعلوماتي وتجهيز مراكز التقييم وبرامج تقوية قدرات المتدخلين.
وكان MarocActu24 قد تابع ملفاً آخر مرتبطاً بالبنية الرقمية للحماية الاجتماعية، بعدما أظهرت معطيات البنك الدولي أن 99.75 في المائة من قرض بقيمة تقارب 68 مليار سنتيم مخصص لتطوير السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد ظل غير مسحوب حتى مارس 2026.
اقرأ أيضاً | 68 مليار سنتيم لـ«مفتاح الدعم».. 99.75% من قرض السجل الاجتماعي بقي غير مسحوب حتى مارس 2026
المصدر الرسمي | وزارة التضامن – إرساء النظام الجديد لتقييم الإعاقة
نظام تقييم الإعاقة.. 5.1 ملايين دولار موزعة على أربع عمليات
بحسب أحدث المعطيات التي تستند إليها هذه القراءة، تتوزع القيمة الإجمالية البالغة 5.1 ملايين دولار على أربع عمليات مرتبطة بالبنية التقنية واللوجستيكية والتكوينية للنظام.
أكبرها عملية بقيمة تقديرية تبلغ 1.8 مليون دولار، أي حوالي مليار و620 مليون سنتيم، مرتبطة بالتجهيزات المعلوماتية اللازمة لإرساء البنية التكنولوجية لنظام تقييم الإعاقة. وتظهر العملية في الخطة ضمن وضعية «في انتظار التنفيذ».
وتوجد إلى جانبها عملية ثانية بقيمة 1.5 مليون دولار، أي نحو مليار و350 مليون سنتيم، مرتبطة بالتجهيزات الطرفية والمستهلكات الخاصة بالنظام، وتحمل الوضعية نفسها.
أما العملية الثالثة فتتعلق بخدمات التنظيم واللوجستيك المرتبطة بتكوين مستخدمي نظام تقييم الإعاقة، بقيمة تقديرية تبلغ 1.3 مليون دولار، أي ما يقارب ملياراً و170 مليون سنتيم.
وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة لأن تشغيل المنظومة لا يرتبط بالتجهيزات وحدها، فالوثائق الرسمية المتعلقة بالمشروع تتحدث بدورها عن تكوين المتدخلين في النظام الجديد، كما تكشف وثيقة شروط مرجعية نشرتها الوزارة عن إعداد وحدات تكوين مرتبطة بـSEH ودليل استعمال للمنصة المعلوماتية SI-SEH.
وثيقة رسمية | وزارة التضامن – المواكبة التقنية لنظام تقييم الإعاقة
أما العملية الرابعة، فتبلغ قيمتها التقديرية 500 ألف دولار، أي حوالي 450 مليون سنتيم، وترتبط باستضافة وتدبير البنية المعلوماتية، وهي الأخرى ضمن العمليات التي تعرضها المعطيات المعتمدة في وضعية «في انتظار التنفيذ».
وتصل الحصيلة التقديرية للعمليات الأربع بذلك إلى 5.1 ملايين دولار: 1.8 مليون للبنية المعلوماتية، و1.5 مليون للتجهيزات الطرفية والمستهلكات، و1.3 مليون للخدمات المرتبطة بتكوين المستخدمين، و500 ألف دولار للاستضافة والتدبير.
غير أن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من الدقة.
فظهور قيمة «0 دولار» في خانة Actual Amount بخطط المشتريات لا يثبت أن المغرب لم ينفق شيئاً على مشروع تقييم الإعاقة، ولا يعني أن مبلغ 5.1 ملايين دولار اختفى أو ضاع أو جُمّد مالياً. الوثيقة خطة للمشتريات، ولا تسمح هذه الخانة منفردة باستخلاص مثل هذه النتيجة.
ما يمكن إثباته هو وضعية العمليات نفسها كما تعرضها خطة المشتريات، وقيمتها التقديرية، ومقارنتها بالمسار الزمني للمشروع.
وهذا التمييز مهم لأن مشروع نظام تقييم الإعاقة شهد في المقابل تقدماً في عمليات أخرى.
فمسار التأهيل التجريبي للبنية التقنية والتكنولوجية للمراكز التي ستحتضن النظام وصل إلى مرحلة التعاقد، ما يعني أن مكونات المشروع لا توجد جميعها في الوضعية نفسها.
ولا تعني مرحلة التوقيع أن المراكز أصبحت جاهزة بالكامل أو أن كل الأشغال انتهت، لكنها تكشف أن بعض المسارات التعاقدية تقدمت أكثر من مكونات أخرى مرتبطة بالتكنولوجيا والتجهيز والتكوين.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الملف: مكونات يفترض في النهاية أن تشتغل داخل منظومة واحدة توجد، بحسب خريطة المشتريات، في مراحل تعاقدية مختلفة.
لكن الأرقام لا تكشف وحدها القصة كاملة.
فالعودة إلى المسار الزمني لنظام تقييم الإعاقة تظهر أن الورش أقدم من عمليات الشراء الحالية، وأن الدولة اشتغلت خلال سنوات على أدوات التقييم والهندسة المؤسساتية ومساطر الحصول على البطاقة والبنية المعلوماتية المصاحبة لها.
وفي 9 ماي 2024 صادق مجلس الحكومة على مشروع المرسوم رقم 2.22.1075 المتعلق بمنح بطاقة شخص في وضعية إعاقة، مع اعتماد مبدأ التدرج في تنفيذ مقتضياته.
المصدر الرسمي | رئاسة الحكومة – المصادقة على مشروع مرسوم بطاقة شخص في وضعية إعاقة
وفي 24 يوليوز 2024 أعلنت وزارة التضامن تقديم المنصة الإلكترونية لتلقي وتدبير طلبات الحصول على بطاقة شخص في وضعية إعاقة، وربطتها بتنزيل النظام الجديد للتقييم.
المصدر الرسمي | وزارة التضامن – تقديم المنصة الإلكترونية للبطاقة
أما المرسوم رقم 2.22.1075 نفسه، فقد صدر في 27 يناير 2025 ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 6 فبراير 2025. وهذه نقطة زمنية مهمة: 9 ماي 2024 هو تاريخ مصادقة مجلس الحكومة على المشروع، وليس تاريخ صدور المرسوم النهائي.
الجريدة الرسمية | مرسوم منح بطاقة شخص في وضعية إعاقة
هذه الوقائع تجعل السؤال أدق من القول إن «المنصة لم تُنجز». فالوزارة سبق أن أعلنت تقديم منصة للبطاقة، بينما تكشف خطط المشتريات عن عمليات ومكونات إضافية مرتبطة بالبنية التقنية واللوجستيكية والتكوينية لنظام تقييم الإعاقة.
وبالتالي، فإن السؤال الذي تطرحه الوثائق يتعلق بما أُنجز فعلياً من كل مكون، وما الذي لا يزال في طور المشتريات أو التعاقد، ومتى تصبح مختلف أجزاء المنظومة متكاملة وقابلة للتشغيل على النطاق المستهدف.
ويزداد هذا السؤال أهمية بالنظر إلى أن الغاية المعلنة من الرقمنة هي تبسيط المسار أمام الشخص في وضعية إعاقة.
فإذا كانت أدوات التقييم، والنظام المعلوماتي، وتجهيز المراكز، وتكوين المستخدمين أجزاءً من منظومة واحدة، فإن اختلاف مراحل تقدمها يطرح سؤالاً عملياً حول الجدول الزمني لاستكمالها وربطها ببعضها.
وتكشف وثائق المشتريات أيضاً عن مسارات تعاقدية احتاج بعضها إلى إعادة الإطلاق أو تغيير طريقة الانتقاء. ولا يشكل إلغاء مسطرة مشتريات، بمفرده، دليلاً على هدر أو سوء تدبير؛ فقد تكون وراء الإلغاء أسباب قانونية أو تقنية أو تنافسية مشروعة.
لكن تكرار المسطرة في مشروع يمتد زمنياً يجعل السؤال عن أثر هذه الإجراءات على آجال الإنجاز سؤالاً مشروعاً، خصوصاً عندما يتعلق المشروع بخدمة موجهة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة.
والواقع أن السؤال عن الآجال لم يظهر اليوم فقط. فموقع مجلس النواب ما يزال يعرض سؤالاً برلمانياً حول مشروع مرسوم البطاقة يتضمن صراحة الاستفسار عن «الأجل الزمني المحدد لتعميم البطاقة»، ما يؤكد أن الجدول الزمني للتعميم كان موضع مساءلة مؤسساتية منذ مرحلة إعداد الإطار التنظيمي.
المصدر | مجلس النواب – سؤال حول بطاقة الشخص في وضعية إعاقة
ولا تقول وثائق البنك الدولي إن 5.1 ملايين دولار ضاعت، ولا تثبت أن بطاقة الشخص في وضعية إعاقة متوقفة حصراً بسبب العمليات الأربع. كما لا يجوز تحويل وصف تعاقدي في خطة مشتريات إلى اتهام مالي لا تسنده الوثيقة.
لكنها تتيح مساءلة مختلفة وأكثر دقة: أين وصلت مكونات نظام تقييم الإعاقة اليوم؟ ما الذي أصبح جاهزاً وقابلاً للاستخدام فعلياً؟ وما الجدول الزمني لاستكمال العمليات التقنية واللوجستيكية والتكوينية المتبقية؟
فحين يتعلق الأمر بالأشخاص في وضعية إعاقة، لا يكون الزمن الإداري مجرد خانة داخل جدول للمشتريات.
المستفيد النهائي ليس البنك الدولي ولا الوزارة ولا مكتب الدراسات ولا الشركة المتعاقدة، وإنما الشخص في وضعية إعاقة الذي يفترض أن تسهّل المنظومة وصوله إلى البطاقة والخدمات المرتبطة بها.
ولهذا لا تكمن دلالة رقم 5.1 ملايين دولار في قيمته وحدها، بل في وضعه إلى جانب المسار الزمني للورش وتعدد مكوناته ومراحل تنفيذه.
وحتى شتنبر 2026، تضع الوثائق أمام الجهات المسؤولة أسئلة قابلة للجواب والقياس: ما المكونات التي اكتملت فعلياً؟ ما المتبقي منها؟ لماذا ما تزال العمليات الأربع في الوضعية المسجلة بخطة المشتريات؟ وما التاريخ المحدد لاستكمال البنية التقنية والتكوينية لنظام تقييم الإعاقة؟
فالرقمنة التي وُعد بأن تختصر المسار لا تُقاس بعدد المنصات والصفقات المعلنة، بل باللحظة التي يستطيع فيها المستفيد استعمال خدمة مكتملة فعلياً.
وبالنسبة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم، يظل الجواب الأهم بسيطاً ومباشراً: ماذا أُنجز، ماذا بقي، ومتى ينتهي الانتظار؟


