يكشف مشروع الحركة الشعبية 2026 عن إحالة قانونية لافتة داخل واحد من أبرز مقترحاته المتعلقة بالقدرة الشرائية، بعدما استند الحزب إلى ما سماه «المادة 124 من الدستور المغربي» لتبرير إمكانية اتخاذ تدابير استثنائية عند اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار، في حين يتعلق الفصل 124 من الدستور بصدور الأحكام القضائية وتنفيذها، ولا يتناول تدبير الأسعار أو الصلاحيات الاقتصادية الاستثنائية للحكومة.
وتظهر الإحالة في المشروع التعاقدي المجتمعي الذي قدمه حزب الحركة الشعبية يوم 23 ماي 2026 استعداداً للاستحقاقات التشريعية، تحت شعار «جا الوقت»، وتحديداً ضمن محور «السيادة الاستهلاكية والقدرة الشرائية».
ويقترح الحزب في هذا المحور ما يسميه «الهدنة الفلاحية»، وهي آلية يراد تفعيلها عندما ترتفع أسعار مجموعة من المواد الأساسية المستهلكة محلياً بنسبة 20 في المائة خلال 30 يوماً.
مشروع الحركة الشعبية 2026 يقترح وقف صادرات عند ارتفاع الأسعار
بحسب النسخة المنشورة على الموقع الرسمي للحركة الشعبية، تشمل المواد المعنية بالآلية المقترحة القمح والطماطم والبصل والبطاطس واللحوم والحليب والزيت.
ويقترح الحزب وقف تصدير هذه المواد مؤقتاً إلى الأسواق الخارجية إلى حين استقرار الأسعار، إلى جانب إعفاء مدخلات إنتاجية للفلاحين الصغار من بعض الضرائب والرسوم، وإحداث مخزون استراتيجي للمواد الأساسية يتم اللجوء إليه خلال فترات الندرة أو الارتفاع المفاجئ للأسعار.
كما يتضمن المقترح منح السوق الداخلية أولوية في التزود قبل تصدير بعض المواد الحساسة، في إطار تصور يقدمه الحزب باعتباره وسيلة لحماية القدرة الشرائية والأمن الغذائي.
غير أن الوثيقة تستند، ضمن تبريرها القانوني لهذا التدخل، إلى إحالة دستورية لا تتطابق مع مضمون النص الرسمي.
المصدر الرسمي | حزب الحركة الشعبية
المشروع التعاقدي المجتمعي المنشور يوم 23 ماي 2026 يتضمن «الهدنة الفلاحية» وعتبة 20% خلال 30 يوماً والإحالة إلى المادة 124.
المشروع الرسمي للحركة الشعبية
ماذا يقول الفصل 124 من الدستور فعلياً؟
تنص النسخة الرسمية لدستور المملكة على الفصل 124 ضمن الباب المتعلق بالسلطة القضائية.
ومضمونه محدد ومباشر، إذ ينص على أن «تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون».
ولا يتضمن الفصل أي إشارة إلى اضطراب سلاسل التوريد أو الجفاف أو الأزمات العالمية أو ارتفاع الأسعار، كما لا يمنح الحكومة، في نصه، صلاحية خاصة لاتخاذ تدابير اقتصادية استثنائية.
وتكشف مقارنة النصين أن الإحالة الواردة في مشروع الحركة الشعبية 2026 لا تتطابق مع مضمون الفصل الدستوري الذي تستند إليه الوثيقة.
كما تستعمل الوثيقة الحزبية عبارة «المادة 124»، بينما تعتمد صياغة الدستور المغربي تسمية «الفصل 124» عند ترقيم مقتضياته.
المصدر القانوني الرسمي | دستور المملكة
الفصل 124 وارد ضمن باب السلطة القضائية ويتعلق بصدور الأحكام وتنفيذها.
المادة 4 من قانون الأسعار أقرب إلى الفكرة
ورغم عدم تطابق الإحالة الدستورية، فإن التشريع المغربي يتضمن مقتضى آخر أقرب من حيث الموضوع إلى التدخل الاستثنائي في مواجهة اضطراب الأسعار.
فالمادة 4 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة تسمح للإدارة، بعد استشارة مجلس المنافسة، باتخاذ تدابير مؤقتة لمواجهة ارتفاع أو انخفاض فاحش في الأسعار عندما يكون ذلك مبرراً بظروف استثنائية أو كارثة عامة أو وضعية غير عادية بشكل واضح في سوق قطاع معين.
ويحدد القانون مدة هذه التدابير في ستة أشهر كحد أقصى، قابلة للتمديد مرة واحدة.
وهذا المقتضى أقرب إلى الفكرة التي يحاول مشروع الحركة الشعبية 2026 تأسيسها قانونياً من الفصل 124 من الدستور، لأنه يتناول بصورة مباشرة التدخل العمومي المؤقت عند حدوث اختلال استثنائي في الأسعار.
غير أن المادة 4 لا تنص صراحة على وقف الصادرات، ولا تحدد ارتفاعاً بنسبة 20 في المائة خلال 30 يوماً باعتباره عتبة تلقائية للتدخل.
وبالتالي، فإن وجود المادة 4 لا يعني، في حد ذاته، أن الآلية التفصيلية التي يقترحها الحزب بشأن وقف التصدير تلقائياً تستند إليها قانونياً بكامل تفاصيلها، بل يعني فقط أنها تمثل مرجعاً تشريعياً أقرب لمسألة التدخل المؤقت في الأسعار من الإحالة الدستورية المنشورة.
🟦 المصدر القانوني الرسمي | القانون 104.12
المادة 4 تنظم التدابير المؤقتة لمواجهة الارتفاع أو الانخفاض الفاحش في الأسعار بسبب ظروف استثنائية.
مجلس المنافسة سبق أن طبق المادة 4 في أزمة كوفيد
ولا يتعلق الأمر بمقتضى بقي نظرياً فقط.
فخلال أزمة كوفيد-19، لجأت الحكومة إلى مجلس المنافسة في إطار المادة 4 من القانون 104.12 بشأن تنظيم أسعار منتجات مرتبطة بالأزمة الصحية.
وسجل مجلس المنافسة، عند بحث تنظيم أسعار المطهرات الكحولية والكمامات الواقية، أن الظروف الاستثنائية المرتبطة بالجائحة تسمح باللجوء إلى التدابير المؤقتة المنصوص عليها في المادة 4، وأشار إلى أن مدتها لا ينبغي أن تتجاوز ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة.
كما تناول المجلس المقتضى نفسه لاحقاً في ملف تنظيم أسعار كشوفات كوفيد-19، موضحاً أن تطبيق المادة يتطلب وجود ظروف استثنائية أو وضعية غير عادية في السوق، إلى جانب ارتفاع أو انخفاض فاحش في الأسعار.
🟦 المصدر الرسمي | مجلس المنافسة
قرار مجلس المنافسة بشأن التدابير المؤقتة للأسعار
من خطأ مرجعي إلى سؤال حول مراجعة البرامج
ولا تسمح المعطيات المنشورة بالجزم بما إذا كانت الإحالة إلى الفصل 124 نتيجة خطأ تحريري أو خلط بين رقمين قانونيين أو تصور قانوني اعتمده معدو الوثيقة.
ولم يقدم مشروع الحركة الشعبية 2026، ضمن الصفحة المنشورة، توضيحاً إضافياً يفسر سبب ربط الفصل 124 بإمكانية اتخاذ الحكومة تدابير استثنائية في الأسواق.
لكن الثابت من مقارنة النصوص الرسمية أن الفصل الدستوري المذكور لا يتضمن الصلاحية المنسوبة إليه.
وتكتسي الملاحظة أهمية إضافية لأن الإحالة ليست واردة في هامش ثانوي، وإنما استخدمت ضمن واحد من أبرز التعهدات المتعلقة بالقدرة الشرائية، والقائم على وقف تصدير سبع فئات من المواد الأساسية عند تجاوز ارتفاع أسعارها العتبة المحددة في المشروع.
ويعيد هذا التفصيل طرح مسألة التدقيق القانوني في البرامج الانتخابية، خصوصاً عندما تستند إجراءات اقتصادية واسعة الأثر إلى أرقام فصول أو مواد دستورية وتشريعية محددة.
🟦 اقرأ أيضاً | الكنبوري ينتقد وعود الأحزاب ويطرح حدود البرامج الانتخابية
ويرتبط المقترح كذلك مباشرة بنقاش الأسعار والقدرة الشرائية الذي عاد بقوة إلى الواجهة مع استمرار الجدل بشأن أسعار المواد الغذائية، ومنها اللحوم.
🟦 اقرأ أيضاً | فوزي لقجع وأسعار اللحوم.. 12.8 مليار درهم تعيد سؤال الحصيلة
وبذلك، لا يتعلق الإشكال في الوثيقة المنشورة بمبدأ اقتراح تدخل حكومي استثنائي في الأسواق في حد ذاته، إذ يتضمن القانون المغربي بالفعل آليات تسمح بتدخل مؤقت في ظروف محددة، وإنما يتعلق بدقة المرجع القانوني الذي استند إليه الحزب وطبيعة الصلاحيات التي يمنحها فعلياً.


