​بقلم: الباز عبدالإله

عادت قضية المهدي بنبركة إلى واجهة النقاش الحقوقي والقضائي بعد مرور 61 عاماً على اختطاف المعارض السياسي المغربي أمام مطعم «ليب» بالعاصمة الفرنسية باريس يوم 29 أكتوبر 1965، بعدما طالب نجله البشير بنبركة بإجراء عمليات بحث وتنقيب داخل مركز اعتقال سري سابق بالمغرب، بالتزامن مع تجديد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان دعوتها إلى كشف الحقيقة الكاملة وتحديد المسؤوليات عن الاختطاف والاختفاء، في ملف لم يُعثر فيه حتى الآن على جثمان صاحبه.

وكشفت وكالة فرانس برس، في تقرير نشرته يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، أن البشير بنبركة يطالب القضاء الفرنسي بإعادة مخاطبة السلطات المغربية بشأن إجراء أبحاث ميدانية داخل مركز الاعتقال السابق المعروف باسم «PF3»، بعدما تحدث عن وجود شهادات تستدعي التحقق منها، مؤكداً استمرار معركته القضائية لمعرفة مصير والده والظروف التي أحاطت باختفائه.

وعبر نجل المعارض المغربي عن أمله في أن يتمكن يوماً من الوقوف أمام قبر والده، مشيراً إلى أن والدته توفيت قبل عامين دون معرفة الحقيقة، وأنه لا يرغب في انتقال مهمة البحث عن مصير جده إلى بناته، معتبراً الوصول إلى الحقيقة التزاماً أخلاقياً وعائلياً لم يسقط بمرور العقود.

المصدر | وكالة فرانس برس عبر مجلة TelQuel – تصريحات البشير بنبركة بتاريخ 29 أكتوبر 2026

قضية المهدي بنبركة.. شهادات جديدة ومطلب التنقيب داخل PF3

يركز الطلب الذي كشف عنه البشير بنبركة على مركز الاعتقال السري السابق «PF3»، الذي ورد ذكره في شهادات يعتبر أنها تستحق الفحص القضائي والميداني، دون أن يعني ذلك ثبوت وجود جثمان والده في الموقع أو تأكيد صحة الروايات المتعلقة به.

وتأتي هذه الخطوة بعد عقود من تداول فرضيات متباينة بشأن ظروف وفاة المهدي بنبركة ومكان دفن جثمانه، شملت مواقع محتملة داخل فرنسا وخارجها، غير أن أياً من هذه الروايات لم يحسم بصورة نهائية مصيره أو يكشف مكان رفاته.

ويطالب البشير بنبركة أيضاً بتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة سنة 2007 عن قاضي تحقيق فرنسي، والتي بلغ عددها خمس مذكرات، ولم تعد سوى اثنتين منها قابلة للتنفيذ وفق المعطيات التي أوردتها وكالة فرانس برس، بعدما توفي الأشخاص الثلاثة الآخرون الذين شملتهم الإجراءات.

وتتعلق المذكرتان المتبقيتان بالجنرال حسني بنسليمان، الذي كان يعمل بوزارة الداخلية المغربية خلال الفترة التي شهدت الاختطاف، وميلود التونسي المعروف باسم العربي الشتوكي، الذي تشتبه التحقيقات في صلته بالمجموعة المنفذة للعملية، وتظل هذه الإجراءات مرتبطة بالتحقيق القضائي ولا تشكل في حد ذاتها أحكاماً نهائية بالإدانة.

التحقيق الفرنسي في قضية المهدي بنبركة.. ماذا تغير منذ 2025؟

شهد المسار القضائي الفرنسي تحركاً خلال يوليوز 2025، عندما استمعت قاضية التحقيق المكلفة بالقضية إلى البشير بنبركة لمدة ساعتين يوم 17 يوليوز، ضمن مسطرة قضائية مستمرة منذ سنة 1975، وتوصف بأنها من أقدم التحقيقات المفتوحة أمام القضاء الفرنسي.

وأوضح البشير بنبركة، في تصريحات لوكالة فرانس برس نشرت يوم 18 يوليوز 2025، أن القاضية درست الملف وأبدت رغبتها في مواصلة الأبحاث، بعدما كان آخر استماع قضائي سابق إليه سنة 2019.

وتؤكد المعطيات المنشورة في أكتوبر 2026 أن التحقيق لم يتوقف عند جلسة الاستماع المذكورة، إذ أوضحت المحامية الفرنسية ماري دوزيه، التي تمثل البشير بنبركة، أن القاضية تحققت من شهادات داخل فرنسا واستبعدت بعض الفرضيات، فيما تنتظر العائلة انتقال الأبحاث إلى مسارات أخرى مرتبطة بالمغرب.

وتبقى مسألة رفع السرية عن الوثائق الفرنسية إحدى المطالب المستمرة للعائلة، بعدما سبق للبشير بنبركة أن انتقد الإعلان عن رفع السرية عن أكثر من 80 وثيقة، مؤكداً أن تلك الوثائق كانت موجودة أصلاً ضمن أوراق الملف القضائي، بينما يطالب بالوصول إلى أرشيفات أخرى قد تساعد على استكمال التحقيق.

المصدر | وكالة فرانس برس – تفاصيل جلسة الاستماع والتحقيق القضائي بتاريخ 18 يوليوز 2025

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تجدد مطلب الحقيقة والمساءلة

جدد المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في بيان صادر بالرباط يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، المطالبة بالكشف الكامل عن حقيقة اختطاف واختفاء المهدي بنبركة، وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالقضية، وإنصاف ضحايا الاختفاء القسري والاختطاف السياسي وعائلاتهم.

واستحضرت الجمعية قضية بنبركة ضمن بيان تناول أساساً الذكرى السنوية لوعد بلفور، معتبرة أن الحق في الحقيقة والعدالة وعدم الإفلات من العقاب يمثل أحد المطالب الأساسية المرتبطة بملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

ودعت الجمعية إلى المشاركة في تخليد «يوم المختطف»، الذي يصادف 29 أكتوبر من كل سنة، وفاء لضحايا الاختفاء القسري وتجديداً للمطالبة بالكشف عن مصير المختفين مجهولي المصير وترتيب المسؤوليات عن الانتهاكات التي تعرضوا لها.

المصدر الرسمي | الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – بيان المكتب المركزي بتاريخ 29 أكتوبر 2026

من مطعم ليب إلى القضاء الفرنسي.. 61 عاماً من التحقيقات

تعود بداية القضية إلى يوم 29 أكتوبر 1965، عندما اختُطف المهدي بنبركة أمام مطعم «ليب» بشارع سان جيرمان في العاصمة الفرنسية باريس، خلال مرحلة كان فيها أحد أبرز وجوه المعارضة المغربية، إلى جانب نشاطه في حركات التحرر الوطني والتضامن المناهض للاستعمار.

وكشفت المحاكمة الفرنسية التي جرت سنة 1967، وفق ما أوردته وكالة فرانس برس، عن تخطيط أجهزة استخبارات مغربية لعملية الاختطاف بمساعدة عناصر من الشرطة الفرنسية وأشخاص من الأوساط الإجرامية، غير أن المحاكمة لم تتمكن من توضيح جميع ملابسات القضية أو تحديد مصير الجثمان.

واستمر التحقيق الفرنسي خلال العقود التالية، وشملت إجراءاته طلبات رفع السرية عن وثائق أمنية والاستماع إلى شهود ومتابعة فرضيات مختلفة بشأن مكان الرفات والجهات المرتبطة بتنفيذ الاختطاف.

وتؤكد وثيقة منشورة في الأرشيف الرسمي للجمعية الوطنية الفرنسية، تتضمن سؤالاً برلمانياً سنة 1997 وجواباً من وزارة الدفاع، أن المسطرة القضائية كانت لا تزال مفتوحة آنذاك، وأن جزءاً من الوثائق الأمنية خضع لقيود مرتبطة بسرية الدفاع الوطني، وهو ما يوضح الخلفية التاريخية لمطالب العائلة المتواصلة بالحصول على الأرشيفات.

المصدر الرسمي | الجمعية الوطنية الفرنسية – سؤال وجواب بشأن رفع السرية عن ملف بنبركة سنة 1997

يوم المختطف.. مطالب تمتد من المغرب إلى باريس

شهدت العاصمة الفرنسية تعبئة حقوقية بمناسبة الذكرى الحادية والستين لاختفاء المهدي بنبركة، بعدما دعا معهد المهدي بنبركة «ذاكرة حية» ونقابة SNES-FSU إلى تجمع يوم الخميس 29 أكتوبر 2026 أمام مطعم «ليب»، بدعم من الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية ومدنية مغربية وفرنسية.

وركزت الدعوة على المطالبة بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة ورفع العوائق المرتبطة بأسرار الدولة، باعتبارها من القضايا التي تثيرها المنظمات الداعمة لعائلة بنبركة منذ سنوات.

المصدر الحقوقي الأصلي | الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان – الدعوة إلى تجمع الذكرى 61 لاختفاء بنبركة

وتتقاطع هذه المطالب مع ملفات أخرى للاختفاء القسري بالمغرب، من بينها ملف الحسين المانوزي الذي اختفى سنة 1972، وعبد الحق الرويسي، إلى جانب حالات تاريخية أخرى سبق أن طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان باستكمال الأبحاث بشأنها وكشف أماكن دفن أصحابها عند ثبوت الوفاة.

وكانت الجمعية قد أعادت، في غشت 2026، طرح ست حالات رئيسية قالت إن البحث بشأنها ظل مفتوحاً بعد عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، مطالبة بإجراء تحقيقات إضافية ونشر نتائج التحاليل الجينية المرتبطة بتحديد هويات الرفات.

اقرأ أيضاً | بنبركة والمانوزي والرويسي.. ملفات الاختفاء القسري تلاحق الذاكرة ومطالب بكشف الحقيقة والمحاسبة

ويحضر ملف الاختفاء القسري أيضاً ضمن النقاش المرتبط بالعدالة الانتقالية بالمغرب، بعدما دعت اللجنة الأممية المعنية بحالات الاختفاء القسري، في ملاحظاتها الختامية الصادرة سنة 2024، إلى استكمال البحث في الحالات التاريخية وتحديد المسؤوليات وتعزيز الوصول إلى الأرشيف وضمان حقوق العائلات في معرفة الحقيقة.

وميزت الملاحظات الأممية بين إجراءات جبر الضرر والتعويضات التي عرفها مسار الإنصاف والمصالحة، وبين التحقيقات القضائية والمساءلة الجنائية التي تظل خاضعة لإثبات المسؤوليات وفق القانون.

اقرأ أيضاً | المصالحة بلا محاسبة؟ وثيقة أممية توثق سياسة عدم الملاحقة بالمغرب

وتحدد التحركات المعلنة في أكتوبر 2026 مسارات ملموسة لاستكمال البحث في قضية المهدي بنبركة، تشمل التحقق من الشهادات المتعلقة بمركز PF3، وتعزيز التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا، ومتابعة مذكرات التوقيف القائمة، وإتاحة الوثائق ذات الصلة للتحقيق، بينما لم يقدم ما نُشر من معطيات قضائية جديدة دليلاً يحسم مكان جثمان المعارض المغربي بعد 61 عاماً من اختفائه.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version