​بقلم: الباز عبدالإله

محمد بنموسى ونبيل بنعبد الله ينتقلان إلى مواجهة سياسية علنية بعد استقالة الأول من حزب التقدم والاشتراكية، إذ وجه الرئيس السابق لمنتدى الاقتصاديين بالحزب رسالة مفتوحة،اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026، اتهم فيها الأمين العام بتهميش الكفاءات واحتكار الظهور الإعلامي وتدبير مفاوضات تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري دون تفويض من اللجنة المركزية، قبل أن يخاطبه بعبارة حادة: «أنت رجل الماضي والإرث الثقيل، وقد فرضت نفسك في حكومة المستقبل».

غير أن العودة إلى الوثائق الرسمية للحزب تكشف معطى أساسياً بشأن هذا الاتهام؛ فاللجنة المركزية منحت المكتب السياسي تفويضاً لمواصلة المشاورات الحكومية يوم 6 أكتوبر، ثم أعلن المكتب السياسي في 12 أكتوبر قرار المشاركة في الحكومة استناداً إلى ذلك التفويض.

ويجعل هذا التسلسل من الضروري التمييز بين المشاورات الأولى، التي سبقت اجتماع اللجنة المركزية، والمفاوضات التي تلت التفويض، دون الجزم بأن جميع الخطوات اتخذت خارج المؤسسات الحزبية.

وفي رسالته المعنونة «هذا بياني وهذه حقيقتي»، شرح بنموسى دوافع مغادرته الحزب بعد أربع سنوات من الانتماء إليه، معترفاً بأنه كان يطمح إلى تولي منصب وزاري باسمه، ومحذراً من تخلي القيادة عن التزاماتها الانتخابية مقابل المشاركة الحكومية.

المصدر الأصلي | النص الكامل لرسالة محمد بنموسى «هذا بياني وهذه حقيقتي» – 29 أكتوبر 2026

محمد بنموسى ونبيل بنعبد الله.. اتهام بلا تفويض ووثائق تكشف مسار المشاورات

خصص بنموسى أحد أكثر مقاطع رسالته حدة للطريقة التي أدار بها بنعبد الله مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026.

واتهمه بالسعي إلى احتكار وسائل الإعلام السمعية البصرية العمومية لصالحه، وتغييب الكفاءات الحزبية عن الواجهة، وإجراء مفاوضات تشكيل الحكومة في غموض، دون العودة إلى المكتب السياسي أو الحصول على تفويض من اللجنة المركزية.

لكن وثيقة نشرها حزب التقدم والاشتراكية في 6 أكتوبر تقدم صورة أكثر تفصيلاً عن المسار التنظيمي.

ففي تقرير قدمه بنعبد الله أمام الدورة الاستثنائية للجنة المركزية، أعلن أن المكتب السياسي عقد خمسة اجتماعات خلال أسبوع واحد لدراسة خيارات الحزب بين المعارضة والمشاركة الحكومية.

كما أكد أن المشاورات الأولى مع رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيلها كشفت عن تقارب في عدد من الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، قبل أن يطلب من اللجنة المركزية تفويض المكتب السياسي تدبير المرحلة المقبلة.

المصدر الرسمي | حزب التقدم والاشتراكية – تقرير المكتب السياسي أمام اللجنة المركزية، 6 أكتوبر 2026

وبحسب ما أعلنته وكالة المغرب العربي للأنباء ونقلته وسائل إعلام مغربية يوم 6 أكتوبر، وافقت اللجنة المركزية بالإجماع على تفويض المكتب السياسي لمواصلة المشاورات المرتبطة بتشكيل الحكومة.

وفي 12 أكتوبر، نشر الحزب بلاغاً أكد فيه اتخاذ قرار المشاركة الحكومية بعد استكمال المداولات، مستنداً صراحة إلى تفويض اللجنة المركزية.

وتثبت هذه الوثائق وجود مسار تنظيمي معلن لتفويض المكتب السياسي واتخاذ قرار المشاركة.

لكنها لا تجيب وحدها عن جميع التساؤلات التي أثارها بنموسى بشأن طبيعة المشاورات السابقة للتفويض، أو كيفية إطلاع أعضاء القيادة على تفاصيل توزيع الحقائب الحكومية.

ولم يرفق بنموسى رسالته بمحاضر اجتماعات أو وثائق تنظيمية تسمح بإثبات أن المفاوضات جرت كلها دون تفويض أو بمخالفة قواعد الحزب الداخلية.

المصدر الرسمي | حزب التقدم والاشتراكية – قرار المشاركة الحكومية استناداً إلى تفويض اللجنة المركزية، 12 أكتوبر 2026

اعتراف صريح بالطموح الوزاري

لم يحاول بنموسى إخفاء رغبته السابقة في دخول الحكومة.

ففي رسالته، أقر بأنه كان يطمح إلى تولي حقيبة وزارية باسم حزب التقدم والاشتراكية، وأن هذا الطموح شكل أحد دوافع التحاقه بالتنظيم سنة 2022.

واعتبر أن السعي إلى المسؤولية الحكومية أمر مشروع ما دام معلناً ومرتبطاً بخدمة المصلحة العامة، مؤكداً أنه لم يخف رغبته في توظيف خبرته الاقتصادية داخل السلطة التنفيذية أو المؤسسة التشريعية.

وجاء هذا الاعتراف في سياق رده على قراءات ربطت مغادرته الحزب بعدم حصوله على منصب في الحكومة الجديدة.

وكان بنموسى قد أعلن استقالته من حزب التقدم والاشتراكية ومن رئاسة منتدى الاقتصاديين يوم 21 أكتوبر، دون أن تتضمن رسالة الاستقالة المقتضبة آنذاك شرحاً مفصلاً لأسباب القرار.

وسبقت ذلك استقالته، بتاريخ 25 شتنبر، من منصب نائب رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول «سامير»، مبرراً الخطوة في مراسلته بأسباب شخصية.

أما الرسالة المفتوحة الجديدة، فتقدم روايته السياسية للخلاف مع قيادة الحزب، دون أن تثبت أن عدم استوزاره كان السبب الوحيد أو المباشر للاستقالة.

الدار البيضاء أنفا وسامير.. بنموسى يعود إلى خلافات الماضي

استعاد بنموسى تجربته مرشحاً باسم التقدم والاشتراكية بدائرة الدار البيضاء أنفا، موضحاً أنه قبل خوض الانتخابات رغم ضعف الإمكانات التنظيمية وصعوبة انتزاع مقعد برلماني.

وأكد تحمله مسؤولية حملته الانتخابية ونتيجتها، مذكراً بنعبد الله بأنه خسر بدوره ثلاث انتخابات تشريعية، من بينها انتخابات بالدائرة نفسها، وفق ما أورده في رسالته.

كما عاد إلى أسباب مغادرته حزب الاستقلال سنة 2022، معتبراً أنها ارتبطت بتراجع قيادة الحزب، بحسب روايته، عن موقف يتعلق بملف المحروقات وإعادة تشغيل مصفاة سامير.

وربط تمسكه بهذا الملف بقضية السيادة الطاقية والصناعية، مؤكداً أنه ظل يدافع عن استعادة قدرات المغرب في تكرير النفط طيلة نحو عشر سنوات.

ولا تتضمن الرسالة وثائق جديدة تثبت المسؤوليات السياسية التي ينسبها إلى قيادات حزبية سابقة، لذلك تبقى هذه التفاصيل جزءاً من تفسيره الشخصي لمساره الحزبي.

البرنامج الانتخابي.. تحذير من التراجع مقابل الحقائب

لم تقتصر رسالة بنموسى على انتقاد طريقة تدبير المفاوضات، بل حملت تحذيراً بشأن مستقبل التزامات التقدم والاشتراكية داخل حكومة المنصوري.

وأوضح أنه ساهم، بحسب روايته، في إعداد برنامج الحزب للفترة 2027-2031، خلال عمل امتد لأكثر من سبعة أشهر.

وحذر من أن التراجع عن التعهدات الانتخابية تحت ضغط التوازنات المالية أو التوافقات بين مكونات الأغلبية قد يؤدي إلى إضعاف مصداقية الحزب.

واستحضر تجربة مشاركة التقدم والاشتراكية في الحكومة التي قادها حزب العدالة والتنمية سنة 2011، معتبراً أن تقديم تنازلات جديدة دون الحفاظ على الهوية السياسية للحزب قد يعمق أزمته.

وفي المقابل، يعلن حزب التقدم والاشتراكية في بلاغاته الرسمية أن دخوله الحكومة جاء على أساس تقارب برنامجي حول الحماية الاجتماعية ومحاربة الفساد والتشغيل وتحسين الخدمات العمومية.

ويظل تقييم مدى احترام تلك الالتزامات مرتبطاً بالبرنامج الحكومي المعتمد والقرارات التي ستنفذ خلال الولاية، وليس بمجرد إعلان الاتفاق على المشاركة.

وسبق لـMarocActu24 أن تابع التحولات التي شهدها المشهد البرلماني بعد الانتخابات، ومنها انضمام نواب من جبهة القوى الديمقراطية وحزب الديمقراطيين الجدد إلى فريق مشترك يقوده التقدم والاشتراكية.

اقرأ أيضاً | 6 أيام تفكك تحالف 4 أحزاب.. 3 نواب يلتحقون ببنعبد الله و3 يفقدون نصاب المجموعة

100 يوم الأولى.. مطالب بافتحاص ملفات حكومية

وضع بنموسى أمام حكومة المنصوري قائمة من الإجراءات التي دعا إلى اتخاذها أو برمجتها خلال المائة يوم الأولى من ولايتها.

وشملت مطالبه إصدار تشريعات لمحاربة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وتعزيز استقلالية هيئات الحكامة، وتوسيع الحقوق السياسية لمغاربة العالم.

كما دعا إلى نشر تقارير افتحاص بشأن مخطط «المغرب الأخضر» واستراتيجية «الجيل الأخضر»، والتمويلات المبتكرة، وشروط إسناد مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، والدعم الموجه إلى مستوردي اللحوم الحمراء، والصفقات العمومية لوزارة الصحة.

وتتعلق هذه النقاط بمطالب للشفافية والمراقبة، ولا تعني أن الرسالة كشفت أدلة جديدة على وجود مخالفات في جميع الملفات المذكورة.

وطالب كذلك بالإفراج عن معتقلي الحراك والصحفيين والمدونين ونشطاء الحركات الاحتجاجية، وبإعطاء الحكومة دوراً فعلياً في تدبير المؤسسات والمقاولات العمومية وتحمل مسؤولياتها الدستورية.

ويأتي مطلب تجريم الإثراء غير المشروع في سياق نقاش تشريعي متجدد، بعدما أعلن وزير العدل عبد اللطيف وهبي يوم 27 أكتوبر استعداد الحكومة لتقديم نصوص جديدة لمحاربة الفساد، مع التشديد على قرينة البراءة والضمانات القانونية.

وكان MarocActu24 قد تناول هذا الملف، مبرزاً اختلاف المواقف والتعهدات بشأن الجريمة المقترحة، بعد سحب مشروع تعديل القانون الجنائي السابق سنة 2021.

اقرأ أيضاً | وهبي بين «النفاق السياسي» ووعد «ستقولون لي شكراً».. أي قانون لمحاربة الفساد تعد به الحكومة؟

أهداف اقتصادية واجتماعية بأرقام كبيرة

تضمنت رسالة بنموسى أهدافاً رقمية دعا الحكومة إلى العمل على تحقيقها، من بينها إدماج 8.5 ملايين شخص قال إنهم خارج التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، خلال سنتين.

كما اقترح توظيف ثلاثة آلاف طبيب وسبعة آلاف ممرض سنوياً، وإحداث 1.4 مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الحكومية، وخفض معدل البطالة إلى أقل من 10 في المائة.

وطالب بإحداث بنك عمومي للاستثمار، وفرض شريحة هامشية للضريبة على الدخل بنسبة 40 في المائة، وإقرار ضريبة تضامنية على الثروات غير المنتجة، وخفض الضريبة على الشركات إلى 10 في المائة لفائدة المقاولات الصغيرة جداً.

وتبقى هذه الأرقام أهدافاً ومقترحات أعلنها بنموسى، وليست التزامات مصادقاً عليها ضمن مشروع قانون المالية أو حصيلة رسمية لحاجيات الاقتصاد الوطني.

كما أن رقم 8.5 ملايين شخص خارج التأمين الصحي يحتاج إلى مطابقة مع بيانات التغطية المحينة، ولا يمكن اعتماده حصيلة وطنية مثبتة بمجرد وروده في الرسالة.

بنعبد الله أمام اختبار وزارة التربية الوطنية

خصص بنموسى جانباً آخر من رسالته لانتقاد التصريحات الأولى لنبيل بنعبد الله بعد توليه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل.

واعتبر أن رفع الاعتمادات المالية وزيادة التوظيفات لا يكفيان لإصلاح المدرسة العمومية دون معالجة جودة التعلمات والمناهج وتكوين الأطر والتفاوتات بين المؤسسات.

ودعا إلى إحياء الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030، وتفعيل القانون الإطار رقم 51.17.

كما اقترح توظيف 18 ألف مدرس سنوياً، وتجهيز أكثر من 30 ألف قسم إضافي خلال الولاية الحكومية، بهدف تقليص الاكتظاظ إلى 30 تلميذاً كحد أقصى في أقسام الابتدائي والإعدادي.

وشملت مقترحاته تدريب خمسة آلاف مدرس سنوياً على الاستخدام التربوي للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتكوين 20 ألف متخصص في المجالات الرقمية، وتجهيز جميع الثانويات العمومية بمختبرات رقمية بحلول سنة 2031.

ولا تعني هذه المقترحات أن الوزارة التزمت بتنفيذها، كما لم يقدم بنموسى في رسالته تقديراً إجمالياً لكلفتها أو جدولة مالية لمصادر تمويلها.

وتبقى أهميتها في كونها معايير يقترح اعتمادها لتقييم عمل بنعبد الله داخل القطاع الذي أصبح مسؤولاً عنه.

«أقل من 18%».. رقم انتخابي يحتاج إلى تفسير

في تقييمه للأزمة الحزبية، اعتبر بنموسى أن أقل من 18 في المائة من المواطنين البالغين سن التصويت شاركوا في انتخابات 23 شتنبر 2026.

غير أن وزارة الداخلية أعلنت نسبة مشاركة بلغت 38.08 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية، وهي قاعدة إحصائية مختلفة عن مجموع السكان البالغين سن التصويت.

ولم يقدم بنموسى في رسالته الطريقة التي اعتمدها لاحتساب نسبة تقل عن 18 في المائة، أو العدد المرجعي للسكان الذي استند إليه.

ولا يجوز بالتالي تقديم النسبتين على أنهما قياسان متناقضان للمجموعة نفسها، كما لا يمكن اعتماد تقديره الخاص دون توضيح مصادره ومنهجيته.

ويمكن مناقشة العزوف الانتخابي من خلال بيانات المسجلين والمصوتين والبالغين سن الاقتراع، شرط التمييز بين هذه الفئات.

حركة «ضمير».. الوجهة السياسية بعد مغادرة الحزب

اختتم بنموسى رسالته بإعلان رغبته في مواصلة العمل السياسي من خلال حركة «ضمير»، التي يرأسها، بعدما اعتبر أن تجربته داخل حزب الاستقلال ثم التقدم والاشتراكية لم تحقق هدفه المتمثل في إصلاح الممارسة الحزبية من الداخل.

ودعا إلى مراجعة قانون الأحزاب، وتجديد القيادات، وتشديد قواعد التصريح بالممتلكات ومحاربة تضارب المصالح، إلى جانب إصلاح المنظومة الانتخابية.

ومن بين المقترحات التي عرضها اعتماد التصويت الأبيض، ورقمنة مراحل الاقتراع، وإحداث آليات جديدة للرقابة على الانتخابات، وتمكين مغاربة العالم من المشاركة المباشرة في الترشيح والتصويت عبر القنصليات.

وتشكل هذه الإجراءات تصوراً سياسياً معلناً للحركة، ولا تمثل تعديلات قانونية معتمدة أو نموذجاً انتخابياً تقرر تطبيقه.

وبينما يحمّل بنموسى بنعبد الله مسؤولية ما يعتبره تراجعاً في الديمقراطية الداخلية للحزب، تظهر البلاغات الرسمية وجود تفويض تنظيمي وقرار معلن بالمشاركة الحكومية.

وبذلك لا يتعلق الخلاف فقط بمغادرة قيادي سابق لحزبه، بل بتحديد ما جرى داخل مؤسساته خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، ومدى التزام قيادته بالبرنامج الذي دافع عنه أمام الناخبين.

وتبقى الرسالة شهادة سياسية مباشرة على أسباب القطيعة من وجهة نظر صاحبها، بينما يتطلب حسم الاتهامات المتعلقة بالتفويض والتهميش والقرارات الداخلية الرجوع إلى المحاضر التنظيمية الكاملة وسماع موقف قيادة الحزب بشأن الوقائع المحددة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version