بقلم: قويدر عبد الرحيم

قضية رشيد شرقاب تفتح نقاشاً جديداً حول الحدود الفاصلة بين حماية الأشخاص من التشهير وحماية المبلغين عن الفساد، بعدما اعتبر الباحث والكاتب إدريس الكنبوري أن الحكم الابتدائي الصادر في حق البروفيسور بسنة حبسا نافذاً يعكس، وفق قراءته، خطورة النفوذ الذي قد تمارسه شبكات الفساد داخل المؤسسات العمومية، محذراً من إمكانية توظيف القانون نفسه لمواجهة الأصوات التي تكشف الاختلالات.

وقال الكنبوري، في تدوينة على حسابه بموقع «فيسبوك»، إن قضية البروفيسور شرقاب أصبحت «عنواناً لفضائح الفساد في المغرب»، معتبراً أنها أظهرت، بحسب تعبيره، أن «قوى الفساد في المغرب ذات نفوذ وتعمل بالتشبيك بحيث تستطيع توظيف القانون نفسه في خدمة الفساد».

وتأتي هذه التصريحات عقب الحكم الصادر يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 عن المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، والقاضي بسنة حبسا نافذاً وغرامة قدرها خمسة آلاف درهم في حق رشيد شرقاب، الأستاذ الجامعي المتخصص في التخدير والإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.

وشملت الأحكام الابتدائية في الملف نفسه عبد اللطيف صدار، الذي أدين بسنتين حبسا نافذاً، ومتهماً ثالثاً بستة أشهر حبسا نافذاً، على خلفية متابعات ارتبطت باتهامات بالتشهير وانتحال الصفة النقابية.

المصدر الصحفي | تيل كيل – تفاصيل الأحكام الصادرة في قضية مستشفى ابن رشد، 22 أكتوبر 2026

H2: قضية رشيد شرقاب.. الكنبوري يحذر من تحويل التشهير إلى سلاح

يرى إدريس الكنبوري أن الإشكال الذي تطرحه قضية شرقاب يتجاوز طبيعة العقوبة إلى العلاقة بين حق العاملين داخل المؤسسات العمومية في إثارة الاختلالات المحتملة، وحدود المتابعة القضائية المرتبطة بالتصريحات العلنية.

وأوضح أن الطبيب واجه، وفق الرواية التي استحضرها، اتهامات بالتشهير بسبب حديثه عن خروقات محتملة داخل المستشفى الجامعي ابن رشد، إلى جانب اتهام بانتحال صفة على خلفية مشاركته في وقفة احتجاجية بصفة نقابية.

واعتبر الكاتب أن تهمة التشهير قد تتحول، في بعض الحالات، إلى وسيلة لردع الموظفين والمهنيين عن الحديث بشأن الاختلالات التي يعتقدون بوجودها داخل مؤسساتهم.

غير أن هذا التوصيف يظل موقفاً عبّر عنه الكنبوري، ولا يثبت أن المحكمة أدانت شرقاب بسبب التبليغ عن الفساد تحديداً، إذ يتطلب تقييم الحكم الاطلاع على تعليله والوقائع والأدلة التي استند إليها.

وتبرز هنا مسألتان قانونيتان مختلفتان: حق الأشخاص في حماية سمعتهم وحياتهم الخاصة من الادعاءات غير المشروعة، وحق العاملين في المؤسسات على التبليغ عن أفعال قد تشكل جرائم فساد، وفق الشروط والإجراءات التي يحددها القانون.

ولا يؤدي مجرد وصف تصريحات بأنها تبليغ عن الفساد إلى اكتسابها حصانة مطلقة من المساءلة، كما لا تعني متابعة صاحبها بالتشهير أن جميع الوقائع التي أثارها كانت بالضرورة غير صحيحة.

وكان MarocActu24 قد تابع القضية في تقرير سابق تناول الحكم الابتدائي واعتقال شرقاب من داخل المحكمة، إلى جانب انتقادات محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، للإجراءات المرتبطة بالملف.

اقرأ أيضاً | «الفوهة مصوبة نحو من يرفع صوته ضد الفساد».. الغلوسي يطالب بإطلاق سراح البروفيسور شرقاب

«ولكن يبدو أن كلمة الفساد فاسدة»

استحضر الكنبوري في تدوينته إحداث الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، والدعوات الرسمية المتكررة إلى مواجهة الفساد، متسائلاً عن مدى انعكاس هذه الالتزامات على الواقع الذي يواجهه الأشخاص الذين يكشفون الاختلالات المحتملة.

واختزل انتقاده في عبارة ساخرة قال فيها: «ولكن يبدو أن كلمة الفساد فاسدة لذلك يتآمر عليها الكثيرون».

وبحسب قراءته، فإن مواجهة الفساد لا ترتبط فقط بوجود مؤسسات رقابية أو نصوص قانونية، وإنما تتطلب كذلك ضمانات تشجع الموظفين والمستخدمين على كشف التجاوزات التي يطلعون عليها أثناء مزاولة مهامهم.

ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة الإطار القانوني لحماية المبلغين، الذي يتضمن القانون رقم 37.10 الصادر سنة 2011 بشأن حماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين في جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وغيرها.

ويتيح هذا الإطار اتخاذ تدابير حماية وفق الشروط القانونية، لكنه لا يعني أن الحماية تطبق تلقائياً على جميع التصريحات العلنية أو أن كل شخص يعلن عن وجود فساد يُعفى من المسؤولية عن مضمون أقواله.

المصدر الرسمي | الجريدة الرسمية عدد 5988 – القانون رقم 37.10 المتعلق بحماية المبلغين

الكنبوري يستحضر احتجاجات الصحة ويسائل أسباب المتابعة

ربط الباحث قضية شرقاب بالاحتجاجات الاجتماعية التي شهدها المغرب، ولا سيما التحركات الشبابية التي رفعت مطالب بتحسين الخدمات الصحية وتجهيز المستشفيات وتوفير الموارد البشرية.

واعتبر أن ارتباط الملف بمستشفى عمومي يمنحه أهمية خاصة، لأن التصريحات المتعلقة بظروف التدبير والخدمات الطبية تهم قطاعاً يؤثر بصورة مباشرة على حياة المواطنين وسلامتهم.

وطرح الكنبوري سؤالين مباشرين: «فإذا كان ما قام به البروفيسور شرقاب تشهيراً لماذا احتج المغاربة على الصحة؟ وإذا كان تشهيراً لماذا تدخل جلالة الملك شخصياً لرفع ميزانية القطاع ملبياً مطالب المواطنين؟».

ويعكس السؤالان محاولة الكاتب الربط بين الاعتراف بوجود حاجات إصلاحية داخل قطاع الصحة وبين ضرورة فحص الاختلالات التي يثيرها العاملون في مؤسساته.

لكن وجود مشكلات عامة في المنظومة الصحية لا يثبت تلقائياً صحة اتهامات محددة ضد أشخاص بعينهم، كما أن رفع الاعتمادات المالية المخصصة للقطاع لا يحسم مشروعية التصريحات موضوع المتابعة القضائية.

وتقتضي معالجة هذه المسائل الفصل بين تقييم الخدمات الصحية والتحقق من شكايات الفساد، من جهة، والنظر في المسؤوليات الفردية المرتبطة بالتشهير أو انتحال الصفة، من جهة أخرى.

من يكشف الفساد داخل المؤسسات إذا اختار الموظفون الصمت؟

وسع الكنبوري انتقاداته لتشمل وضعية الموظفين والمستخدمين الذين يطلعون بحكم وظائفهم على معلومات تتعلق بتدبير الموارد والصفقات والقرارات الإدارية.

واعتبر أن هؤلاء قد يكونون الأكثر قدرة على كشف بعض التجاوزات، بالنظر إلى قربهم من مواقع اتخاذ القرار ومعرفتهم بطريقة اشتغال المؤسسات.

غير أن الخوف من فقدان العمل أو التعرض لإجراءات تأديبية وقضائية قد يدفع بعضهم، وفق تحليل الكاتب، إلى تجنب الإبلاغ حتى عندما تكون لديهم معلومات تستحق البحث والتحقق.

وحذر من أن استمرار هذه المخاوف قد يؤدي إلى انتشار الصمت داخل المرافق العمومية، بما يقلص فرص اكتشاف المخالفات في مراحل مبكرة.

ولا يعني ذلك أن جميع الموظفين الذين يقدمون تبليغات يتعرضون للانتقام، أو أن الحماية القانونية غائبة بصورة مطلقة، وإنما يتعلق بمخاوف أثارها الكنبوري بشأن فعالية الضمانات المقررة وآثار المتابعات القضائية على الرغبة في التبليغ.

وفي السياق نفسه، كان محمد الغلوسي قد طالب بإخضاع الصفقات المرتبطة بتدبير مستشفى ابن رشد للافتحاص، داعياً وزارة الصحة والمجلس الأعلى للحسابات إلى التحقق من شبهات الاختلالات المثارة بشأن المؤسسة.

وسبق لـMarocActu24 أن تناول هذه المطالب بالاستناد إلى تقرير رسمي للمجلس الأعلى للحسابات سجل نقائص سابقة في حكامة المستشفى، منها تعطل مجلس التسيير وعدم تفعيل لجنة التدقيق.

ولا تمثل هذه الملاحظات الرقابية إثباتاً لوقوع جرائم فساد في صفقات بعينها، لكنها تشكل معطيات مؤسساتية تستدعي تتبع الإجراءات التصحيحية المتخذة بشأنها.

اقرأ أيضاً | «صفقات بملايير الدراهم».. الغلوسي يطالب بافتحاص مستشفى ابن رشد وتقرير رسمي يوثق تعطل أجهزة الحكامة

حماية السمعة وحرية التبليغ.. معادلة لم تُحسم في الجدل حول شرقاب

أعاد موقف إدريس الكنبوري النقاش بشأن العلاقة بين الحق في التعبير عن الاختلالات المحتملة وضرورة حماية الأشخاص والمؤسسات من الاتهامات غير المستندة إلى أدلة.

وتبقى الاتهامات المتعلقة بوجود شبكات فساد قادرة على توظيف القانون مواقف عبّر عنها الكاتب، دون أن تتضمن تدوينته وثائق قضائية تثبت تدخلاً غير مشروع في قضية شرقاب أو تحدد أشخاصاً ثبت تورطهم في مثل هذه الممارسات.

وفي المقابل، فإن الحكم الابتدائي الصادر في حق الطبيب وزملائه لا يقدم، وحده، إجابة عن مآل الشكايات المتعلقة بتدبير مستشفى ابن رشد أو نتائج الأبحاث التي قد تكون باشرتها الجهات المختصة.

ويستدعي استجلاء الوقائع التعامل مع المسارين بصورة مستقلة: المسار القضائي المتعلق بالاتهامات الموجهة إلى المتابعين، والمسار الإداري والرقابي المتعلق بالاختلالات التي سبق أن أثيرت داخل المؤسسة الصحية.

ويظل الاطلاع على تعليل الحكم والوثائق المرتبطة بالشكايات ونتائج التحقيقات، إن وجدت، ضرورياً لتكوين صورة مكتملة عن الملف.

ومن خلال قضية رشيد شرقاب، يطرح إدريس الكنبوري سؤالاً يتجاوز وضعية الطبيب نفسه إلى مستقبل التبليغ داخل المرافق العمومية: كيف يمكن تشجيع العاملين على كشف الاختلالات مع ضمان حماية حقوق الأشخاص الذين تطالهم الاتهامات؟

وهو سؤال لا تحسمه التصريحات المتبادلة، بل يتطلب تطبيقاً واضحاً لضمانات التبليغ والمساءلة، والتحقق من الوقائع وفق القانون، مع احترام استقلال القضاء وحقوق جميع الأطراف.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version