بقلم: قويدر عبد الرحيم
كشفت دراسة علمية مغربية، نُشرت الأربعاء 21 أكتوبر 2026، عن تسجيل مقاومة الفوسفوميسين لدى 23.4 في المائة من عزلات بكتيريا «الإشريكية القولونية» المستخرجة من دجاج تسمين مريض بمنطقة مكناس، بعد صدور قرار تنظيمي مغربي يحظر إعطاء الفئة الدوائية التي ينتمي إليها هذا المضاد الحيوي للحيوانات المنتجة للغذاء.
وتكتسب النتيجة أهمية إضافية عند مقارنتها بوثائق رسمية للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية «أونسا»، تظهر أن ستة مستحضرات بيطرية تحتوي على الفوسفوميسين كانت مدرجة ضمن الأدوية الموجودة في طور السحب خلال أكتوبر 2023، قبل صدور قرار المنع، فيما اختفت أسماؤها من اللائحة الإيجابية المنشورة في ماي 2025.
وتفتح هذه المعطيات ملفاً يتجاوز تسجيل المقاومة البكتيرية إلى التساؤل بشأن المسار الإداري لسحب المستحضرات الستة، ومدى توفر نتائج مراقبة تسمح بقياس تأثير المنع على تطور المقاومة داخل ضيعات الدواجن.
غير أن وجود بكتيريا مقاومة لا يثبت، في حد ذاته، استمرار استعمال الفوسفوميسين بصورة مخالفة للقانون، إذ يمكن أن تستمر المقاومة بعد توقف استخدام المضاد الحيوي.
الدراسة، المنشورة في مجلة «Antibiotics» العلمية الدولية، تحمل عنوان «مقارنة أنماط مقاومة المضادات الحيوية لدى عزلات الإشريكية القولونية خارج الأمعاء المستخرجة من البشر ودجاج التسمين بمنطقة مكناس»، وأعدها فريق بحثي بقيادة حكيم الناصري، بمشاركة باحثين من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، وجامعتي مولاي إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله، والمستشفى العسكري مولاي إسماعيل بمكناس.
واعتمد الباحثون مقاربة «صحة واحدة»، التي تربط دراسة المخاطر الصحية لدى الإنسان والحيوان، دون افتراض وجود انتقال مباشر للعدوى بينهما.
المصدر العلمي الأصلي | دراسة Antibiotics المنشورة في 21 أكتوبر 2026
مقاومة الفوسفوميسين بمكناس.. 23.4% لدى الدجاج مقابل 4.2% لدى البشر
شمل البحث 874 عزلة بكتيرية بشرية مستخرجة من فحوص تشخيصية بالمستشفى العسكري، مقابل 142 عزلة من دجاج تسمين مريض مصدره ضيعات تجارية بجهة فاس مكناس، خلال الفترة الممتدة من يناير إلى دجنبر 2025.
وجاءت العينات البشرية أساساً من التهابات المسالك البولية وعدوى أخرى خارج الأمعاء، بينما استُخرجت العينات البيطرية من أعضاء داخلية لطيور مريضة، بينها الكبد والقلب والرئتان.
وأظهرت اختبارات الحساسية للفوسفوميسين وجود 33 عزلة مقاومة من أصل 141 عزلة دجاج خضعت لهذا الاختبار، بنسبة 23.4 في المائة، مقابل 16 عزلة مقاومة من أصل 379 عزلة بشرية، بنسبة 4.2 في المائة.
وبلغت نسبة الأرجحية الإحصائية 6.93، ما يعكس ارتفاع أرجحية رصد المقاومة لدى عزلات الدجاج مقارنة بالعزلات البشرية المشمولة بالاختبار، دون أن يعني ذلك أن الدجاج ينقل العدوى إلى الإنسان بهذا المعدل.
ولم تقتصر الفوارق على الفوسفوميسين؛ إذ بلغت مقاومة الأموكسيسيلين لدى عزلات الدجاج 93 في المائة، مقابل 65.5 في المائة لدى العزلات البشرية.
ووصلت مقاومة السيبروفلوكساسين إلى 77.1 في المائة لدى الدجاج، مقارنة بـ38 في المائة لدى البشر، بينما بلغت مقاومة مزيج التريميثوبريم والسلفاميثوكسازول 70.4 في المائة مقابل 43.8 في المائة.
وفي المقابل، أظهرت بعض مضادات السيفالوسبورين مستويات مقاومة أعلى لدى العزلات البشرية، كما سُجلت مقاومة للإيميبينيم والإرتابينيم، من مجموعة الكاربابينيمات، في العينات البشرية دون رصدها في عينات الدجاج المختبرة.
وتوضح هذه النتائج اختلاف أنماط المقاومة بحسب مصدر البكتيريا ونوع المضاد الحيوي، ولا تسمح باعتبار جميع المضادات أكثر عرضة للمقاومة لدى الدواجن.
وبالعودة إلى لائحة الأدوية البيطرية التي نشرها «أونسا» بتاريخ 27 أكتوبر 2023، يظهر معطى إداري لافت: ستة مستحضرات تحتوي على الفوسفوميسين الكلسي، إلى جانب التيلوزين، كانت جميعها مصنفة ضمن الأدوية الموجودة في طور السحب.
وضمت اللائحة مستحضر «FOSFOTYL» التابع لمختبرات CALIER MAROC، والموجه للدواجن والخنازير، و«FOSFOMYCINE T MCI» التابع لشركة MCI Santé Animale، و«TYLFOS» التابع لشركة Atlas Vétérinaire.
كما شملت «MYCOKIL» التابع لشركة Fedravet، و«TYLOSOL EXTRA» التابع لشركة NOVOVET، و«LEBACTIFOS» التابع للشركة المغربية للأدوية البيطرية SMMV.
وثيقة أونسا الرسمية | اللائحة الإيجابية للأدوية البيطرية بتاريخ 27 أكتوبر 2023
ويبرز بين هذه المستحضرات دواء «TYLOSOL EXTRA»، الذي تُظهر الوثيقة أن تاريخ ترخيص تسويقه يعود إلى 27 مارس 2023، قبل ظهوره ضمن فئة الأدوية الموجودة في طور السحب في أكتوبر من السنة نفسها.
ولا توضح اللائحة أسباب انتقال المستحضر إلى هذه الوضعية خلال أشهر قليلة، ولا تاريخ اتخاذ القرار الإداري المتعلق بسحبه.
كما تتضمن الوثيقة ملاحظة تنظيمية تفيد بأن انتهاء مدة صلاحية ترخيص التسويق لا يعني تلقائياً فقدان الدواء لوضعيته المرخصة، ما لم يكن موضوع سحب رسمي.
وبالتالي، فإن عبارة «في طور السحب» لا تكفي وحدها لإثبات أن قرار السحب النهائي كان قد دخل حيز التنفيذ بالنسبة إلى كل مستحضر.
وعند مقارنة الوثيقة بلائحة «أونسا» المؤرخة في 6 ماي 2025، يتبين غياب أسماء المستحضرات الستة، وكذلك اسم المادة الفعالة «Fosfomycine» عن اللائحة المنشورة.
وتثبت المقارنة اختلاف الوضعية المعلنة للأدوية بين التاريخين، لكنها لا تحدد موعد السحب النهائي لكل ترخيص أو الإجراءات التي اتخذت بشأن المخزون الذي قد يكون متداولاً خلال المرحلة الانتقالية.
وثيقة أونسا الرسمية | اللائحة الإيجابية للأدوية البيطرية بتاريخ 6 ماي 2025
أما من الناحية القانونية، فقد نص القرار الوزاري رقم 3330-23، الموقع في 29 دجنبر 2023 والمنشور باللغة العربية في الجريدة الرسمية عدد 7276 بتاريخ 22 فبراير 2024، على تعديل قائمة المواد المحظور إعطاؤها للحيوانات المنتجة للمواد الغذائية.
وشملت القائمة فئة مشتقات حمض الفوسفوروز التي يُدرج ضمنها الفوسفوميسين في السياق التنظيمي المعني، إلى جانب مجموعات أخرى من المضادات الحيوية.
ونُشرت الترجمة الفرنسية الرسمية للقرار في الجريدة الرسمية عدد 7280 بتاريخ 7 مارس 2024.
المصدر القانوني الرسمي | القرار الوزاري رقم 3330-23 بالجريدة الرسمية
وتكتسب هذه التواريخ أهميتها عند ترتيب الوقائع؛ فالمستحضرات الستة كانت في طور السحب قبل إصدار القرار الوزاري، ثم غابت عن لائحة ماي 2025، بينما جُمعت العينات التي كشفت المقاومة خلال سنة 2025.
لكن الدراسة لم تتضمن تتبعاً لاستعمال الفوسفوميسين داخل الضيعات المعنية، ولم تقدم قياسات لمستويات المقاومة في الضيعات نفسها قبل قرار المنع وبعده.
ولهذا لا تسمح النتائج باستنتاج أن القرار لم يُحترم أو أن المنع فشل في الحد من استعمال المضاد.
وناقش الباحثون احتمال استمرار محددات وراثية للمقاومة اكتسبتها البكتيريا في فترات سابقة، وإمكانية ارتباط بعض جينات مقاومة الفوسفوميسين، ومنها جينات من نمط «fosA»، بعناصر وراثية تحمل مقاومة لمضادات أخرى.
وقد يسمح هذا الارتباط باستمرار بعض جينات المقاومة تحت تأثير استعمال مضادات حيوية مختلفة، وهي آلية تُعرف علمياً بالانتقاء المشترك.
غير أن هذه الفرضيات لم تُختبر مباشرة في الدراسة، التي لم تشمل تحليلاً جينياً مفصلاً للعزلات المقاومة أو سجلات استعمال المضادات الحيوية داخل الضيعات.
ويفرض نطاق العينات حذراً إضافياً؛ فالباحثون درسوا عزلات بكتيرية مستخرجة من دجاج مريض، وليس من عينة ممثلة لجميع ضيعات الدواجن المغربية أو من لحوم الدجاج المعروضة للبيع.
وبالتالي، فإن نسبة 23.4 في المائة لا تمثل معدل انتشار المقاومة لدى مجموع الدواجن بالمغرب، كما أنها لا تثبت وجود بقايا الفوسفوميسين في اللحوم أو انتقال البكتيريا المقاومة من الدواجن إلى المرضى.
وتبرز أهمية هذا الملف أيضاً في ضوء التوجه الأوروبي نحو تشديد مراقبة استعمال بعض المضادات الميكروبية في الإنتاج الحيواني.
وكان MarocActu24 قد كشف، استناداً إلى برنامج رسمي للمفوضية الأوروبية، عن إدراج المغرب ضمن عمليات افتحاص مبرمجة لسنة 2027، تشمل الأدوية البيطرية ومقاومة مضادات الميكروبات، إلى جانب مجالات أخرى مرتبطة بسلامة الصادرات الفلاحية.
ولا يعني إدراج المغرب ضمن هذا البرنامج ثبوت مخالفة، وإنما يتعلق بعملية تقييم لأنظمة المراقبة الرسمية ومدى احترام الشروط المعمول بها.
اقرأ أيضاً | الصادرات الفلاحية المغربية أمام اختبار 2027.. بروكسيل تفتح 3 مسارات افتحاص
كما سبق للموقع أن تناول استمرار إدراج المغرب في أربع فئات ضمن اللائحة الأوروبية المرتبطة بقيود استعمال بعض المضادات الميكروبية، بينها الدواجن، بعد بدء تطبيق قواعد جديدة في شتنبر 2026.
ويتعلق هذا الإدراج باستيفاء شرط تنظيمي محدد ضمن منظومة أوسع من المتطلبات الصحية، ولا يمثل حكماً عاماً على وضع المقاومة البكتيرية داخل المغرب.
اقرأ أيضاً | أوروبا تشدد شروط المنتجات الحيوانية.. المغرب يبقى مؤهلاً في 4 فئات والبرازيل تفقد 6
وعلى المستوى الوطني، تثير المقارنة بين الدراسة والوثائق الرسمية أسئلة بشأن تواريخ السحب النهائي لتراخيص المستحضرات الستة، والإجراءات المتخذة خلال الفترة الفاصلة بين إدراجها في طور السحب واختفائها من اللائحة الإيجابية.
كما يستدعي تاريخ ترخيص «TYLOSOL EXTRA» في مارس 2023، ثم إدراجه ضمن فئة السحب في أكتوبر، توضيح الأسباب الإدارية والتنظيمية لهذا التسلسل.
أما في الجانب العلمي، فيبقى السؤال متعلقاً بمدى توفر بيانات دورية لدى الجهات المكلفة بالمراقبة البيطرية تسمح بتتبع مقاومة الفوسفوميسين قبل المنع وبعده، ومدى ارتباطها بتاريخ استعمال المضادات الحيوية والتحاليل الجينية للعزلات البكتيرية.
وحتى تتوفر هذه المعطيات، يظل ما أثبتته الدراسة محدداً: مقاومة الفوسفوميسين ظهرت لدى 33 عزلة من أصل 141 عزلة بكتيرية مأخوذة من دجاج مريض خضع للاختبار.
أما تفسير استمرار هذه المقاومة، وتقييم أثر قرار المنع، والحسم في المسار الإداري لسحب المستحضرات الستة، فهي مسائل تتطلب بيانات إضافية لا تقدمها النتائج المنشورة وحدها.
