بقلم: الباز عبدالإله
مدارس الريادة بالمغرب أمام اختبار جديد يتعلق بدقة قياس مكتسبات التلاميذ، بعدما أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة طلب الاستعانة بخبير متخصص لتحليل نحو 3,500 سؤال استُعملت في اختبارات المراقبة المستمرة خلال السنوات الدراسية الثلاث الأخيرة، في خطوة تفتح النقاش بشأن مدى قدرة هذه الاختبارات على التمييز بين التحسن الحقيقي في التعلمات واختلاف مستوى صعوبة الأسئلة.
وكشف إعلان طلب إبداء اهتمام، نُشر يوم 14 أكتوبر 2026 ضمن منظومة المشتريات المرتبطة بالبنك الدولي، أن الوزارة تعتزم إخضاع أسئلة اللغة العربية والفرنسية والرياضيات لتحليل علمي متخصص يشمل جميع مستويات التعليم الابتدائي، بهدف تحسين موثوقية النتائج وإمكانية مقارنتها بين مختلف فترات التقييم.
ويحمل الإعلان رقم DMI-DGAP-573114-CS، ويرتبط ببرنامج دعم قطاع التعليم بالمغرب الممول من البنك الدولي تحت المرجع P167619، فيما حُددت مدة المهمة في أربعة أشهر، مع فتح باب الترشح أمام الخبراء إلى غاية 28 أكتوبر 2026.
وتكمن أهمية هذه العملية في أنها لا تتعلق بإعادة تصحيح أوراق التلاميذ أو مراجعة نقطهم، بل بفحص الخصائص العلمية للأسئلة نفسها، ومدى صلاحيتها لقياس الكفايات المستهدفة.
كما أن الإعلان لا يثبت وجود تلاعب في النتائج أو اعتماد اختبارات سهلة بصورة متعمدة، وإنما يكشف رغبة الوزارة في تطوير أدوات القياس التربوي والتحقق من خصائصها الإحصائية.
المصدر الأصلي | البنك الدولي – طلب إبداء الاهتمام رقم OP00475168 المنشور في 14 أكتوبر 2026
مدارس الريادة.. لماذا تفحص الوزارة 3,500 سؤال؟
توضح وثيقة طلب الخبرة أن الوزارة تعمل على تطوير منظومة تقييم مكتسبات التلاميذ، انطلاقاً من إنشاء بنك للأسئلة وتحليل خصائصها السيكومترية وتطوير قدرات الأطر المكلفة بإعداد الاختبارات.
ويتعلق التحليل السيكومتري باستعمال أدوات إحصائية وعلمية لتقييم جودة الأسئلة، ومن بينها مستوى الصعوبة، والقدرة على التمييز بين التلاميذ بحسب مستوى التحصيل، ومدى ارتباط السؤال بالكفاية التعليمية التي يفترض قياسها.
فعندما يحصل تلميذ على نقطة مرتفعة في اختبار معين، لا تعكس تلك النقطة مستوى تعلمه بمعزل عن طبيعة الأسئلة المطروحة.
وقد يكون الاختبار اللاحق أسهل من سابقه، ما يؤدي إلى ارتفاع النتائج دون أن يكون التحسن في المكتسبات بالحجم نفسه.
كما يمكن أن يحدث العكس، إذ قد تتراجع النقط بسبب ارتفاع مستوى الصعوبة، رغم احتفاظ التلميذ بمهاراته أو تحقيقه تقدماً في بعض التعلمات.
ولهذا تسعى الوزارة، وفق الإعلان، إلى إنشاء مقاييس مشتركة تتيح تتبع تقدم التلاميذ عبر الزمن، حتى عندما تختلف الأسئلة المستخدمة بين حملة تقييم وأخرى.
ولا تعني هذه الحاجة التقنية أن الاختبارات السابقة كانت غير صالحة أو أن نتائجها مضخمة، لأن الوثيقة لا تقدم نتائج تدقيق تثبت حدوث ذلك.
لكنها تكشف أن تحسين قابلية النتائج للمقارنة أصبح هدفاً صريحاً ضمن برنامج تطوير منظومة التقييم.
4 أشهر لتحليل المعطيات وإنشاء أداة للوزارة
حددت وزارة التربية الوطنية مجموعة من المهام للخبير الذي سيجري اختياره.
وتبدأ المهمة بفحص جودة البيانات المتاحة ومدى إمكانية استغلالها في التحليل، قبل الانتقال إلى دراسة الخصائص السيكومترية للأسئلة وتوثيق نتائجها.
كما تشمل إعداد توصيات لتحسين منظومة التقييم وتطوير مقاييس مشتركة لمتابعة تطور مكتسبات التلاميذ.
ولا يتوقف العمل عند تسليم تقرير علمي، إذ تطلب الوزارة وضع أداة تقنية قابلة للاستعمال داخل مصالحها، مع نقل المعارف والمهارات الضرورية إلى الأطر المختصة حتى تتمكن من مواصلة التحليل والمعايرة مستقبلاً.
وتنص الوثيقة على اختيار خبير فردي يتمتع بتجربة متقدمة في القياس السيكومتري والإحصاء وتحليل البيانات وتقييم التعلمات على نطاق واسع.
كما تشترط مؤهلات أكاديمية مناسبة، لا تقل عن مستوى خمس سنوات من التعليم العالي، مع خبرة عملية في تحليل الأسئلة ومعايرتها.
وتتولى مديرية الشؤون العامة مهمة التنسيق المرتبطة بتنفيذ هذه الخبرة.
أما آخر أجل للتوصل بملفات المترشحين، فقد حُدد في 28 أكتوبر 2026 على الساعة الثالثة بعد الزوال بالتوقيت المحلي.
ولا يحدد الإعلان المبلغ المالي المخصص للمهمة، كما لا يكشف عن نتائج تحليل سابق للأسئلة التي ستخضع للفحص.
وبالتالي، لا يمكن تقدير كلفة الخبرة أو الحديث عن اختلالات مكتشفة قبل إنجاز الدراسة ونشر خلاصاتها.
من 626 إلى 4,626 مدرسة.. توسع سريع للبرنامج
يأتي طلب الخبرة بعد توسع كبير عرفه برنامج مدارس الريادة منذ إطلاق مرحلته التجريبية خلال الموسم الدراسي 2023-2024.
فبحسب معطيات نشرها البنك الدولي يوم 21 ماي 2026، ارتفع عدد المدارس الابتدائية العمومية المشاركة من 626 مؤسسة خلال المرحلة التجريبية إلى 4,626 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2025-2026.
وكانت هذه المؤسسات تمثل آنذاك نحو 54 في المائة من مجموع المدارس الابتدائية العمومية بالمغرب، وتستقبل أكثر من مليوني تلميذ، بمشاركة ما يقارب 75 ألف أستاذ و960 مفتشاً تربوياً.
وتخص هذه الحصيلة الفترة التي تناولها البنك الدولي في تقرير ماي 2026، ولا تمثل بالضرورة العدد النهائي للمؤسسات المنخرطة خلال الموسم الدراسي 2026-2027.
ويرتكز البرنامج على تحسين التعلمات الأساسية، خصوصاً القراءة والكتابة والرياضيات، مع اعتماد التقييم المنتظم لتحديد مستويات التلاميذ وتوجيه أنشطة الدعم التربوي.
ويجعل اتساع نطاق البرنامج من دقة أدوات القياس مسألة أساسية، لأن النتائج لا تستعمل لتقييم التلميذ وحده، بل تساعد كذلك في تحديد حاجيات الدعم ومتابعة تطور التعلمات داخل المؤسسات التعليمية.
وكلما توسع البرنامج، ازدادت أهمية اعتماد اختبارات متجانسة من حيث الخصائص العلمية، حتى لا تؤدي الفوارق بين الأسئلة إلى مقارنات غير دقيقة بين المؤسسات أو المواسم الدراسية.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – مدارس الريادة بالمغرب وتحسن التعلمات، 21 ماي 2026
نتائج إيجابية سابقة.. هل تتعارض مع الخبرة الجديدة؟
عرض البنك الدولي في تقريره نتائج أولية لتقييم أثر مدارس الريادة، أنجزه مختبر الابتكار والتقييم المغربي بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.
ووفق المعطيات المنشورة، أظهر التقييم تحسناً في التعلمات الأساسية، خصوصاً القراءة والكتابة والرياضيات.
وأشار البنك إلى أن مكاسب التعلم لدى تلاميذ مدارس الريادة، بعد سنة من تطبيق البرنامج، تفوقت على مكاسب 82 في المائة من أقرانهم في مدارس قابلة للمقارنة.
ولا تعني هذه النتيجة أن 82 في المائة من تلاميذ مدارس الريادة نجحوا، أو أن نسبة النجاح الوطنية بلغت هذا المستوى.
فالمؤشر يتعلق بمقارنة مكاسب التعلم بين مجموعات من التلاميذ، وليس بنسبة النجاح في الامتحانات.
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين عمليتين مختلفتين.
الأولى تتعلق بتقييم أثر برنامج مدارس الريادة على مكتسبات التلاميذ، اعتماداً على منهجية بحثية خاصة.
أما الثانية، التي أعلنت الوزارة طلب خبرة بشأنها في أكتوبر 2026، فتتعلق بالخصائص العلمية لنحو 3,500 سؤال مستعملة في المراقبة المستمرة.
ولا تقدم وثيقة طلب الخبرة دليلاً على أن الوزارة اكتشفت أخطاء في نتائج تقييم الأثر، كما لا تفيد بأنها قررت مراجعة الاستنتاجات التي نشرها البنك الدولي.
ومن ثم، فإن الربط بين طلب فحص الأسئلة والقول إن نتائج مدارس الريادة كانت مضخمة سيكون استنتاجاً غير مدعوم بالمعطيات المنشورة.
لكن الإجراء الجديد يفتح مجالاً لسؤال مشروع: ما المعايير التي استُعملت لضمان دقة المقارنات بين الاختبارات المتعاقبة، وهل كانت عمليات المعايرة موثقة بما يكفي؟
تقييم خارجي سابق لمدارس الريادة
لم يكن برنامج مدارس الريادة بعيداً عن التقييمات المستقلة قبل الإعلان عن هذه الخبرة.
ففي 17 يونيو 2025، نشر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي تقييماً خارجياً للمرحلة التجريبية للمشروع، أنجزته الهيئة الوطنية للتقييم بطلب من وزارة التربية الوطنية.
واعتمد العمل على بحث ميداني أُنجز في نهاية الموسم الدراسي 2023-2024، بهدف دراسة مدى انسجام المرحلة التجريبية مع أهدافها، ورصد نقاط القوة والتحديات المرتبطة بتوسيع البرنامج.
وشمل التقييم الممارسات التربوية ومكتسبات التلاميذ وبيئة التعلم، مع إصدار تقرير منهجي يوثق الأسس التقنية المعتمدة.
غير أن هذا التقييم الخارجي يختلف في نطاقه عن الخبرة السيكومترية الجديدة، التي تستهدف بنكاً من أسئلة المراقبة المستمرة وبيانات استعمالها خلال ثلاثة مواسم دراسية.
ويسمح التمييز بين الدراستين بتجنب التعامل مع كل عملية تقييم باعتبارها إعادة فحص للنتائج نفسها.
المصدر الرسمي | المجلس الأعلى للتربية والتكوين – التقييم الخارجي للمرحلة التجريبية لمدارس الريادة، 17 يونيو 2025
من جودة الاختبارات إلى جودة ظروف التعلم
لا تنحصر جودة التعليم في خصائص الاختبارات وحدها، إذ ترتبط كذلك بتوفر المقررات والموارد التربوية وظروف التعلم داخل المؤسسات.
وكان MarocActu24 قد تابع خلال شتنبر 2026 ملف توزيع كتب مدارس الريادة، بعدما أعلنت وزارة التربية الوطنية طباعة 3.96 ملايين نسخة موجهة إلى مختلف المستويات الابتدائية، مقابل تحذيرات مهنية من صعوبات مرتبطة بوصول بعض العناوين إلى نقاط البيع.
ولا تشكل تلك المعطيات دليلاً على وجود خلل في الاختبارات المستهدفة بالخبرة الجديدة، لكنها تبرز أن تقييم البرنامج يحتاج إلى النظر في عناصر متعددة، تشمل الموارد التعليمية وطرق التدريس والتقييم.
اقرأ أيضاً | قبل 5 أيام من الدراسة.. الكتبيون يحذرون من خصاص كتب مدارس الريادة والوزارة تعلن طباعة 3.96 ملايين نسخة
كما أن قياس النتائج التعليمية يكتسب أهمية بالنظر إلى الهدف المعلن في خارطة طريق إصلاح التعليم 2022-2026، والمتعلق بتقليص الهدر المدرسي بمقدار الثلث.
وفي هذا السياق، نشر MarocActu24 معطيات رسمية تفيد بانقطاع 276 ألفاً و179 تلميذاً وتلميذة عن الدراسة خلال الموسم الدراسي 2024-2025، وفق حصيلة مرتبطة بمجموع أسلاك التعليم العمومي.
ويختلف هذا المؤشر عن قياس المكتسبات داخل مدارس الريادة، لكنه يوضح أهمية تتبع النتائج الفعلية للإصلاح التربوي، وعدم الاكتفاء بمؤشرات النشاط أو توسيع عدد المؤسسات المستفيدة.
اقرأ أيضاً | 276 ألف منقطع و86 ألف معاد تسجيلهم.. الهشومي أمام اختبار الهدر المدرسي
3 أسئلة تنتظر نتائج الخبرة الجديدة
تطرح وثيقة طلب إبداء الاهتمام ثلاثة أسئلة رئيسية على وزارة التربية الوطنية بشأن منهجية تقييم التعلمات داخل مدارس الريادة.
يتعلق السؤال الأول بما إذا كانت أسئلة المراقبة المستمرة، خلال السنوات الدراسية الثلاث المعنية، قد خضعت سابقاً لمعايرة علمية موثقة، وما المعايير المعتمدة لتحديد درجة صعوبتها وقدرتها على التمييز بين مستويات التلاميذ.
ويرتبط السؤال الثاني بكيفية مقارنة نتائج التلاميذ بين المواسم الدراسية، خصوصاً عندما تختلف الأسئلة المستعملة في كل حملة تقييم، ومدى اعتماد مقاييس مشتركة تسمح بعزل أثر تغير صعوبة الاختبارات.
أما السؤال الثالث، فيتعلق بما إذا كانت الوزارة ستنشر نتائج التحليل السيكومتري المرتقب، بما يسمح للباحثين والمهتمين بالشأن التربوي بمعرفة الخصائص العلمية للأسئلة والتوصيات المعتمدة لتحسينها.
ولا يجيب الإعلان المنشور عن هذه المسائل، كما لا يقدم حصيلة تقنية تفصيلية للمنهجيات السابقة أو نتائج تدقيق مكتمل.
وسيظل تقييم أثر الخبرة الجديدة مرتبطاً بما ستكشفه لاحقاً من نتائج، وبمدى إدماج توصياتها في إعداد الاختبارات وتكوين الأطر وتطوير بنك الأسئلة.
وبين توسع مدارس الريادة إلى آلاف المؤسسات ونتائج التعلم الإيجابية التي عرضها البنك الدولي، تأتي مهمة فحص نحو 3,500 سؤال لتضيف بُعداً تقنياً إلى تقييم جودة البرنامج.
فالمسألة لا تتعلق بإثبات وجود نجاح وهمي أو نفي التحسن الذي سجلته الدراسات السابقة، وإنما بتعزيز الأدلة العلمية التي تسمح بمقارنة النتائج بصورة دقيقة عبر الزمن.
ويبقى المعيار الأهم هو قدرة منظومة التقييم على تقديم صورة موثوقة عن مكتسبات التلاميذ، بما يساعد على توجيه الدعم التربوي وقياس أثر الإصلاح على التعلمات الفعلية، بعيداً عن الخلط بين ارتفاع النقط وتحسن مستوى التعلم.
