قويدر عبد الرحيم
اليقظة الدوائية بالمغرب تدخل اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 مرحلة جديدة، مع حلول آخر أجل قانوني أمام المؤسسات الصيدلية الصناعية لتعيين طبيب أو صيدلي يتولى حصرياً مراقبة سلامة الأدوية بعد تسويقها، وفق شروط تشمل التفرغ الكامل والإقامة داخل المملكة وإمكانية الاتصال به على مدار الساعة.
ويأتي انتهاء المهلة بعد ثلاثة أشهر من دخول القانون رقم 27.26 حيز التنفيذ، دون توفر حصيلة رسمية منشورة تحدد عدد المؤسسات التي استكملت إجراءات التعيين.
ولا يقتصر الالتزام على إبلاغ السلطات باسم مسؤول جديد داخل المؤسسة، بل يتعلق بإرساء وظيفة متخصصة في رصد الآثار غير المرغوب فيها للأدوية وتقييم المعلومات المتعلقة بسلامتها، بما يساعد على اكتشاف المخاطر المحتملة بعد وصول المستحضرات إلى المرضى.
وكانت الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية قد وجهت، يوم 25 شتنبر الماضي، مذكرة إلى المؤسسات الصيدلية الصناعية المعنية، ذكرتها بضرورة تعيين مسؤول مخصص حصرياً لليقظة الدوائية في موعد أقصاه 16 أكتوبر، مع موافاتها بهويته وبيانات الاتصال به.
المصدر الرسمي | الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية – مذكرة 25 شتنبر 2026
اليقظة الدوائية بالمغرب.. 3 أشهر حددها القانون
يكشف الرجوع إلى الجريدة الرسمية عدد 7526، الصادرة في 16 يوليوز 2026، أن الموعد النهائي يستند إلى المادة السابعة من القانون رقم 27.26، الذي غيّر وتمّم القانون رقم 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة.
وتنص المادة السابعة على إلزام المؤسسات الصيدلية الصناعية بالتقيد بأحكام الفقرة الثانية من المادة 120 داخل أجل أقصاه ثلاثة أشهر من تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ.
وصدر القانون بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.29 بتاريخ 3 يوليوز 2026، قبل نشره بالجريدة الرسمية يوم 16 يوليوز، وهو التاريخ الذي انطلقت منه المهلة الانتقالية.
وبذلك، فإن 16 أكتوبر ليس موعداً إدارياً اختارته الوكالة بصورة منفصلة عن التشريع، بل نتيجة مباشرة للأجل الذي حدده القانون.
وكان مجلس النواب قد صادق على المشروع يوم 8 يونيو 2026، قبل موافقة مجلس المستشارين عليه يوم 23 يونيو، في إطار تعديل تشريعي شمل مراقبة الأدوية وتنظيم بعض آليات الترخيص وتعزيز الاحتراز الدوائي.
وتتضمن المادة السابعة تمييزاً بين المقتضيات التي أصبحت واجبة التطبيق والمقتضيات التي تنتظر صدور نصوص تنظيمية.
فقد ربط المشرع تطبيق الأحكام المتعلقة بالنظام الوطني للاحتراز الدوائي وبعض أنظمة الترخيص ومراقبة السوق بنشر النصوص التنظيمية الخاصة بها، لكنه حدد بصورة مستقلة مهلة ثلاثة أشهر لتعيين المسؤول داخل المؤسسات الصيدلية الصناعية.
وهذا يعني أن انتظار النصوص التنظيمية المتعلقة بالمقتضيات الأخرى لا يمدد تلقائياً أجل التعيين المحدد في المادة 120.
المصدر القانوني | الجريدة الرسمية عدد 7526 – القانون رقم 27.26، الصفحات 4423 إلى 4425
مسؤول متفرغ ومتاح للاتصال 24 ساعة
حددت الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية خمسة شروط يتعين توفرها في الشخص المكلف حصرياً باليقظة الدوائية.
أولها أن يكون طبيباً أو صيدلياً، وثانيها امتلاك الكفاءات المهنية اللازمة في هذا المجال، إلى جانب معارف في علم الأوبئة والإحصاء الحيوي.
وتشترط الوكالة أيضاً الإقامة داخل المغرب والتفرغ الكامل لهذه المهمة، مع إمكانية الاتصال بالمسؤول 24 ساعة يومياً، طوال أيام الأسبوع السبعة.
ولا يعني شرط إمكانية الاتصال المستمر أن الشخص المعين مطالب بممارسة العمل دون توقف، وإنما أن المؤسسة يجب أن تضمن إمكانية الوصول إليه عند الحاجة إلى التعامل مع المعلومات المرتبطة بسلامة الأدوية.
كما يتعين على المؤسسات المعنية إبلاغ الوكالة بالاسم الشخصي والعائلي للمسؤول المعين، وعنوان بريده الإلكتروني ورقم هاتفه، داخل الأجل المحدد.
وأوضحت المذكرة أن الكفاءات والمعارف المطلوبة ستخضع لتقييم لاحق في إطار فحص الملف الرئيسي لنظام اليقظة الدوائية، المعروف اختصاراً بـPSMF.
ويُستخدم هذا الملف لتوثيق تنظيم نظام اليقظة داخل المؤسسة والمسؤوليات والإجراءات المرتبطة به.
وتكشف هذه المقتضيات أن التعيين، رغم إلزاميته، يمثل مرحلة من عملية الامتثال، ولا يشكل وحده دليلاً على اكتمال جميع عناصر نظام مراقبة السلامة الدوائية.
من يتحمل المسؤولية داخل المؤسسة الصناعية؟
تحدد المادة 120 المعدلة العلاقة المهنية بين الشخص المكلف باليقظة الدوائية والصيدلي المسؤول داخل المؤسسة.
فالنص يلزم المؤسسة الصيدلية الصناعية بتعيين صيدلي أو طبيب يتولى حصرياً الاحتراز الدوائي لدى الصيدلي المسؤول، مع التنصيص على أن الشخص المعين يمارس أنشطته تحت مسؤولية هذا الأخير.
وبالتالي، فإن استحداث الوظيفة الجديدة لا ينقل جميع المسؤوليات المهنية من الصيدلي المسؤول إلى الطبيب أو الصيدلي المكلف باليقظة، بل يضيف اختصاصاً متخصصاً إلى التنظيم الداخلي للمؤسسة.
كما وسّع القانون مهام المراقبة التي تمارسها مفتشية الصيدلة التابعة للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، لتشمل احترام قواعد حسن الإنجاز المتعلقة بالاحتراز الدوائي داخل المؤسسات الصناعية.
وتكتسب هذه المراقبة أهمية في التحقق من وجود نظام فعلي يسمح بجمع المعلومات المتعلقة بالآثار غير المرغوب فيها للأدوية، وتحليلها والتعامل معها وفق المتطلبات القانونية والمهنية.
أما المادة 156 المعدلة، فتتضمن مقتضيات زجرية مرتبطة بالإخلال بقواعد حسن الإنجاز الخاصة بالاحتراز الدوائي.
غير أن وجود عقوبات قانونية لا يعني تطبيق جزاء محدد تلقائياً على كل مؤسسة لم يُعلن اسم مسؤولها للعموم.
فتحديد المخالفة والعقوبة يقتضي التحقق من الوقائع والمقتضيات القانونية الواجبة التطبيق والإجراءات المعتمدة من الجهات المختصة.
اليوم الأخير.. كم مؤسسة استكملت التعيين؟
مع حلول 16 أكتوبر، يبرز سؤال يتعلق بحصيلة تنفيذ الالتزام القانوني الجديد.
فالمذكرة التي نشرتها الوكالة في 25 شتنبر لا تتضمن العدد الإجمالي للمؤسسات الصيدلية الصناعية المعنية، ولا نسبة المؤسسات التي كانت قد استكملت التعيين عند صدورها.
كما لم أجد، ضمن المعطيات الرسمية المنشورة حتى صباح الجمعة 16 أكتوبر، حصيلة وطنية تحدد عدد المسؤولين المعينين أو الملفات التي توصلت بها الوكالة.
ولا يعني عدم نشر هذه الأرقام أن المؤسسات لم تحترم المهلة، أو أن الوكالة لم تتوصل بالمعلومات المطلوبة.
كذلك لا تتوفر معطيات موثقة تسمح بتحديد عدد المؤسسات التي قد تتجاوز الأجل دون الامتثال، أو نسبة الملفات التي تحتاج إلى استكمال بعض الشروط.
لكن الإعلان عن حصيلة تنفيذية سيتيح معرفة عدد المؤسسات التي استجابت للمذكرة، ومدى تقدم التحقق من المؤهلات المهنية، والبرنامج الذي ستعتمده الوكالة لمراقبة تطبيق المقتضيات الجديدة.
وسيكون من المهم التمييز بين مجرد التصريح باسم المسؤول وبين التحقق اللاحق من تفرغه وإقامته بالمغرب وكفاءته المهنية وقدرة المؤسسة على ضمان استمرارية التواصل معه.
سلامة المرضى.. اليقظة الدوائية تتجاوز التعيين الإداري
يرتبط الالتزام الجديد بمنظومة أوسع لمراقبة سلامة الأدوية بعد تسويقها، خصوصاً بالنسبة إلى المرضى الذين يستعملون عدة أدوية أو يتلقون علاجات طويلة الأمد.
وفي بلاغ أصدرته الوكالة يوم 17 شتنبر 2026، بمناسبة اليوم العالمي لسلامة المرضى، شددت على أهمية الوقاية من المخاطر المرتبطة باستعمال الأدوية، والتنسيق بين مهنيي الصحة، ورصد الآثار الجانبية المشتبه فيها والتبليغ عنها.
وخص البلاغ بالاهتمام المصابين بالأمراض المزمنة، بالنظر إلى احتمالات التداخلات الدوائية والحاجة إلى مراجعة الوصفات ومتابعة فعالية العلاج وسلامته.
ودعت الوكالة مهنيي الصحة والمرضى إلى المساهمة في الإبلاغ عن الآثار غير المرغوب فيها عبر المركز الوطني لليقظات الصحية وتدبير المخاطر.
المصدر الرسمي | الوكالة المغربية للأدوية – اليوم العالمي لسلامة المرضى، 17 شتنبر 2026
ولا يعني تسجيل أثر جانبي مشتبه فيه أن الدواء ثبتت مسؤوليته عنه، لأن تقييم العلاقة السببية يتطلب دراسة المعطيات الطبية وظروف الاستعمال والعوامل الأخرى المحتملة.
وتبرز أهمية هذا التمييز عند التعامل مع نتائج الدراسات العلمية التي ترصد وجود مواد دوائية داخل الجسم، دون أن تسمح بالضرورة بتحديد أسباب استعمالها أو نتائجها الصحية.
وكان MarocActu24 قد تناول، في شتنبر الماضي، دراسة مغربية اعتمدت تحاليل مخبرية شملت 61 عينة بول لدى حوامل ونساء بعد الولادة، وكشفت آثار فئات مختلفة من الأدوية والمواد الكيميائية.
وتختلف تلك الدراسة عن الالتزام التنظيمي الجديد للمؤسسات الصناعية، لكنها تبرز أهمية تتبع استعمال الأدوية والتعرض لها وتقييم المخاطر المحتملة لدى الفئات الحساسة.
اقرأ أيضاً | 61 عينة بول لدى حوامل ونفاس تكشف أدوية ومهدئات وآثار أمفيتامين
وسبق للموقع أيضاً أن تناول دراسات اعتمدت على بيانات المركز المغربي لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية، ووثقت حالات تسمم مرتبطة باستعمال بعض الخلطات التقليدية لدى الأطفال.
ولا تتعلق تلك الحالات مباشرة بمسؤوليات المؤسسات الصيدلية الصناعية المنصوص عليها في القانون الجديد، لكنها توضح أهمية وجود آليات لرصد الأحداث الصحية غير المرغوب فيها وتجميع المعطيات وتحليلها.
اقرأ أيضاً | 59% لجؤوا إلى «الفراگة».. دراسات تكشف خلطات مجهولة وتسممات انتهت بوفاة رضيعين
اليقظة الدوائية بالمغرب.. من النص القانوني إلى التنفيذ
يضع انتهاء مهلة 16 أكتوبر المؤسسات الصيدلية الصناعية المعنية أمام التزام أصبح مستحق التنفيذ، بعد فترة انتقالية استمرت ثلاثة أشهر.
غير أن تقييم فعالية هذا الإجراء يتطلب تجاوز إحصاء التعيينات إلى معرفة مدى توفر المسؤولين المعينين على الكفاءات المطلوبة، ووجود إجراءات واضحة للتبليغ عن المخاطر الدوائية وتحليلها والتعامل معها.
وتسمح المادة 120 بتحديد المسؤوليات داخل المؤسسة، بينما توفر مقتضيات التفتيش أساساً لمراقبة احترام قواعد حسن الإنجاز الخاصة بالاحتراز الدوائي.
لكن الوثائق المنشورة لا تسمح حتى الآن بإصدار حكم عام على مستوى امتثال المؤسسات أو استعدادها الفعلي.
ولهذا يظل السؤال المرتبط باليقظة الدوائية بالمغرب، مع حلول آخر أجل قانوني، موجهاً إلى حصيلة التنفيذ: كم مؤسسة عينت مسؤولاً متخصصاً؟ وكم ملفاً تلقت الوكالة؟ وما الآليات التي ستعتمدها للتحقق من استيفاء الشروط؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستوضح مدى انتقال الإصلاح من النص التشريعي إلى التطبيق داخل المؤسسات، وتساعد على تقييم دوره في تحسين رصد مخاطر الأدوية وحماية سلامة المرضى.
