بقلم: قويدر

كشف تقرير ميداني جديد لوكالة «أسوشيتد برس»، نُشر السبت 10 أكتوبر 2026، استمرار معاناة قاصري سبتة المغاربة الذين يعيش بعضهم في الشوارع والمخيمات المؤقتة منذ نحو شهرين، رغم إقرار الحكومة الإسبانية تمويلاً يتجاوز 90 مليون يورو للتعامل مع ملف القاصرين، في وقت تؤكد فيه السلطات المحلية عدم توفرها على الموارد الكافية للاستجابة لحجم الأزمة.

وأعاد التقرير، الذي أنجزته الصحافية سومَن نايشادهام، تسليط الضوء على الفجوة بين الأموال التي وافقت عليها الحكومة المركزية الإسبانية والظروف المعيشية التي يواجهها أطفال ومراهقون وصلوا إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعي نهاية يوليوز الماضي.

ورصدت الوكالة استمرار نوم قاصرين فوق قطع الكرتون والأرائك المهترئة، وفي مخيمات مؤقتة وشوارع وأحياء المدينة، بينما ينتظر بعضهم الحصول على مكان داخل مراكز الاستقبال أو الانتقال إلى مناطق أخرى من إسبانيا.

وتكمن المفارقة التي أبرزها التحقيق في أن السلطات الإسبانية أقرت تمويلاً يفوق 90 مليون يورو، لكنها لم تتمكن بعد من ضمان الإيواء لجميع القاصرين الموجودين خارج مراكز الحماية، وفق المعطيات والشهادات التي جمعتها الوكالة.

غير أن المبلغ المذكور يمثل تمويلاً تمت الموافقة عليه، ولا يقدم التقرير تفصيلاً للمبالغ التي صُرفت فعلياً أو كيفية توزيعها بين البرامج والمرافق، ولذلك لا تكفي هذه المعطيات وحدها لإثبات وجود اختلاس أو اختلال مالي.

قاصرو سبتة المغاربة.. 15 يورو لليلة في مرأب قبل العودة إلى الشارع

من أبرز الشهادات التي وثقها تحقيق «أسوشيتد برس» قصة مراهق مغربي يبلغ 17 سنة، وصل إلى سبتة خلال موجة العبور نهاية يوليوز، على أمل إيجاد فرص أفضل لمستقبله.

وروى المراهق، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه خوفاً على سلامته، أنه اضطر بعد وصوله إلى النوم داخل مرأب رفقة قاصرين آخرين، حيث كان صاحب المكان يتقاضى من كل واحد منهم 15 يورو عن الليلة الواحدة.

لكن مع نفاد المال وعجزه عن مواصلة الدفع، وجد نفسه مضطراً للعودة إلى الشارع، قبل أن ينتقل إلى النوم داخل سيارة رفقة مراهقين مغاربة آخرين، وفق شهادته للوكالة في مطلع أكتوبر.

وقال الفتى إنه تعرض لمحاولتي سرقة واعتداء بالضرب، بينما أصبح يتجنب الظهور في بعض الأماكن خوفاً من إعادته إلى المغرب.

وكان المراهق يشتغل مع والده جزاراً بمدينة تطوان قبل مغادرته المغرب، وأوضح للوكالة أن أسرته تشجعه على البقاء في إسبانيا، رغم الصعوبات التي يعيشها.

وتكشف شهادته عن وضعية معقدة يعيشها بعض القاصرين غير المصحوبين بذويهم، بين رغبتهم في البقاء بإسبانيا بحثاً عن فرص جديدة، وغياب مكان آمن للإقامة خلال انتظار البت في أوضاعهم.

كما رصد التقرير تجمع مئات المراهقين أمام كنيسة في سبتة مطلع أكتوبر، خلال زيارة وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية، أملاً في الحصول على حلول تتعلق بالإيواء أو الانتقال إلى البر الإسباني.

غير أن عدداً منهم عاد إلى الشوارع بعد انتهاء الزيارة، دون الحصول على مكان داخل مراكز الاستقبال.

المصدر الأصلي | Associated Press – التقرير الميداني عن القاصرين في سبتة، 10 أكتوبر 2026

وتزداد أهمية هذه الشهادات بالنظر إلى أن القانون الإسباني يفرض توفير الحماية والرعاية للقاصرين غير المصحوبين بذويهم، بما يشمل الإيواء والخدمات الصحية والتعليم، وفق الإجراءات المنظمة لكل حالة.

لكن التقرير يكشف استمرار الخلاف بين الحكومة المركزية وسلطات سبتة حول مسؤولية تدبير الأزمة والإمكانات اللازمة لاستقبال الأطفال.

فبينما تؤكد مدريد تخصيص تمويل يتجاوز 90 مليون يورو ومعالجة أوضاع القاصرين حالة بحالة، تتمسك سلطات سبتة بأن موارد المدينة ومرافقها لا تسمح باستيعاب جميع الوافدين.

وتؤكد وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية، سيرا ريغو، أن أغلب القاصرين الموجودين بسبتة يرغبون في البقاء بإسبانيا، بينما يدعو رئيس حكومة المدينة، خوان خيسوس فيفاس، إلى إيجاد حلول تسمح بعودة القاصرين المغاربة إلى بلدهم وفق الإجراءات القانونية.

ويعكس هذا الاختلاف تبايناً في أولويات التعامل مع الملف، بين توسيع الحماية والإيواء داخل الأراضي الإسبانية والبحث عن ترتيبات للعودة، مع ضرورة احترام الضمانات القانونية الخاصة بالأطفال.

90 مليون يورو.. أين وصلت حماية القاصرين؟

لا يقدم تحقيق «أسوشيتد برس» حساباً مالياً يحدد مقدار ما صُرف من التمويل الذي وافقت عليه الحكومة الإسبانية، أو عدد الأماكن الجديدة التي أحدثت بفضله داخل مراكز استقبال القاصرين.

لكنه يوثق استمرار وجود أطفال في الشوارع بعد نحو شهرين من بداية الأزمة، وهو ما يجعل حصيلة الإجراءات الميدانية سؤالاً مشروعاً أمام السلطات المركزية والمحلية.

ويتعلق الأمر خصوصاً بعدد القاصرين الذين حصلوا على مأوى منذ بداية الأزمة، وعدد الأماكن المتاحة حالياً، والموارد التي خُصصت لتشغيل المراكز، وأسباب استمرار انتظار بعض الأطفال خارج منظومة الرعاية.

ويزداد هذا السؤال تعقيداً بسبب غياب إحصاء موحد ومحَين لعدد القاصرين الموجودين حالياً في سبتة، والعدد الدقيق لمن يعيشون دون مأوى.

وبحسب التقرير، قدمت السلطات الإسبانية تقديرات متغيرة لعدد المهاجرين الذين ظلوا بالمدينة، بينما تحدث رئيس حكومة سبتة عن احتمال وجود ما يصل إلى 15 ألف شخص، مع إقراره بأن الحصيلة تتغير باستمرار.

ولا يمثل هذا الرقم إحصاءً للقاصرين، بل تقديراً إجمالياً للمهاجرين الموجودين بالمدينة خلال تلك المرحلة.

أما بخصوص الأطفال غير المصحوبين بذويهم، فتشير الوكالة إلى استمرار تضارب التقديرات، وعدم توفر حصيلة دقيقة لمن لا يزالون خارج مراكز الاستقبال.

وسبق لموقع MarocActu24 أن تابع الملف في 24 غشت 2026، بعدما أعلنت الحكومة الإسبانية تجاوز عدد القاصرين الذين جرى تسجيلهم وتحديد هوياتهم عقب موجة العبور عتبة 2900 قاصر.

غير أن تلك الحصيلة كانت تراكمية، ولا تعني أن العدد نفسه ظل موجوداً داخل سبتة، أو أن جميع المسجلين كانوا دون مأوى.

اقرأ أيضاً | أزمة سبتة: مدريد ترفع حصيلة القاصرين المحددة هوياتهم إلى أكثر من 2900

ولم تكن الملاحظات الجديدة التي سجلتها «أسوشيتد برس» أول تحذير بشأن الوضع الإنساني في سبتة.

ففي 21 غشت 2026، نشرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» بياناً حذرت فيه من أزمة إنسانية وحقوقية بالمدينة، مطالبة الحكومة الإسبانية والسلطات المحلية بالتحرك العاجل لتوفير مأوى مناسب للمهاجرين وطالبي اللجوء، وضمان الوصول إلى الغذاء والخدمات الصحية والمعلومات القانونية.

واستندت المنظمة إلى زيارة ميدانية أجرتها بين 15 و18 غشت، أجرت خلالها مقابلات ومحادثات مع 76 مهاجراً، بينهم أطفال غير مصحوبين بذويهم.

ورصدت المنظمة أشخاصاً ينامون في العراء، وعائلات تعيش داخل أماكن مؤقتة تفتقر إلى الشروط الأساسية للاستقبال، كما وثقت مخاوف مرتبطة بسلامة النساء والأطفال في بعض المواقع.

وكشفت المعطيات التي جمعتها آنذاك اختلافاً بين أرقام السلطات المعنية، إذ تحدث مصدر في حكومة سبتة عن التكفل بـ1385 قاصراً إلى غاية 18 غشت، بينما أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية تسجيل 2168 طفلاً غير مصحوب بذويه في التاريخ نفسه.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة وجود تناقض حسابي مباشر، لأنها قد تعكس مراحل وإجراءات مختلفة بين التسجيل الأمني والتكفل الفعلي داخل مرافق الرعاية.

لكنها توضح أهمية اعتماد سجل موحد يمكن من معرفة الوضع القانوني والاجتماعي لكل طفل، وتحديد من حصل على الحماية ومن لا يزال ينتظرها.

وشددت «هيومن رايتس ووتش» على ضرورة إجراء تقييمات فردية للأشخاص المعنيين، وتوفير المعلومات والمساعدة القانونية بلغة يفهمونها، مع مراعاة مصلحة الطفل الفضلى قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بإعادته إلى بلده.

المصدر الحقوقي الرسمي | Human Rights Watch – إسبانيا: أزمة إنسانية وحقوقية في سبتة، 21 غشت 2026

وبعد مرور نحو سبعة أسابيع على تحذيرات المنظمة، يعيد تقرير «أسوشيتد برس» طرح السؤال نفسه من خلال مشاهدات أحدث للقاصرين الذين لا يزالون ينامون في الشوارع ومواقع الإيواء المؤقت.

كما كشف التقرير أن السلطات الإسبانية بدأت مطلع أكتوبر إزالة بعض المخيمات المؤقتة ونقل مجموعات من المهاجرين إلى مواقع أخرى، بينما تحدثت جهات حقوقية عن نقل بعض القاصرين نحو الحدود.

ولا تسمح هذه المعطيات وحدها بتحديد الوضع القانوني لكل عملية نقل، أو الجزم بوقوع عمليات إرجاع غير قانونية في جميع الحالات، لكنها تبرز أهمية توضيح الإجراءات التي خضع لها الأطفال المعنيون.

وتظل إعادة القاصرين غير المصحوبين بذويهم خاضعة لضمانات قانونية خاصة، تشمل تقييم وضعهم الفردي، والتحقق من ظروف استقبالهم، ومراعاة مصلحتهم الفضلى.

وفي سياق متصل، سبق لـMarocActu24 أن تابع إعلان الحكومة الإسبانية عودة أكثر من 5300 مهاجر طوعياً إلى المغرب منذ 10 غشت، وفق معطيات نشرت منتصف شتنبر.

ولا يمثل هذا الرقم حصيلة للقاصرين العائدين، كما لا يتعلق بالمواطنين المغاربة حصراً، بل بالمهاجرين الذين شملتهم عمليات العودة المعلنة آنذاك.

اقرأ أيضاً | أزمة سبتة بالأرقام.. أكثر من 5300 عادوا طوعياً إلى المغرب و100 يتراجعون عن اللجوء

ويضع تقرير «أسوشيتد برس» الجديد السلطات الإسبانية أمام اختبار يتجاوز الإعلان عن التمويل إلى قياس النتائج الفعلية على الأرض.

فالمؤشر الأساسي لا يتعلق فقط بمقدار الأموال التي تمت الموافقة عليها، وإنما بعدد الأطفال الذين حصلوا على مأوى آمن، ومدى استفادتهم من الرعاية الصحية والتعليم والمواكبة القانونية، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة قد قلصت فعلياً عدد القاصرين الموجودين في الشوارع.

كما يطرح استمرار الخلاف بين الحكومة المركزية وسلطات سبتة سؤالاً بشأن توزيع المسؤوليات والموارد، ومدى فعالية التنسيق بين الجهات المكلفة بحماية الأطفال.

وبين تمويل إسباني يتجاوز 90 مليون يورو، وتحذيرات حقوقية منذ غشت، وشهادات ميدانية وثقتها وكالة دولية في أكتوبر، لا تزال الحصيلة الفعلية لحماية قاصري سبتة المغاربة بحاجة إلى توضيحات رسمية دقيقة.

أما السؤال الأكثر إلحاحاً، فهو لماذا لا يزال أطفال ينامون في العراء بعد نحو شهرين من وصولهم، وكم قاصراً ما زال ينتظر مكاناً داخل مراكز الحماية، وما الذي تحقق فعلياً من البرامج التي وافقت الحكومة الإسبانية على تمويلها؟

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version