الانقطاع الجامعي بالمغرب لا يرتبط بالنتائج الدراسية وحدها، هذا ما تكشفه دراسة علمية دولية اعتمدت على تحليل مسارات 55 ألفاً و674 طالباً وإجراء 200 مقابلة مع أشخاص غادروا الجامعة، لتضع الخلفية الاجتماعية للأسرة ومستوى تعليم الوالدين والتوجيه الأكاديمي والمهني ضمن العوامل المرتبطة بمغادرة التعليم العالي دون إكمال المسار الدراسي.
الدراسة، التي أعدتها الباحثة سكينة الراوي والباحث عمر إيبورك، تحمل عنوان «Early academic and vocational orientation as a preventive process against university dropout in Morocco»، ونُشرت سنة 2026 في مجلة «International Journal of Educational Research Open» الصادرة عن Elsevier، وتحمل المعرف الرقمي DOI: 10.1016/j.ijedro.2026.100589.
وأعاد مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد تسليط الضوء عليها يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، مقدماً نتائجها باعتبارها بحثاً في دور التوجيه الأكاديمي والمهني المبكر في الحد من الانقطاع الجامعي وتحسين قدرة الطلبة على الاستمرار في الدراسة.
المصدر الرئيسي | Policy Center for the New South
الدراسة الأصلية | DOI
واعتمد الباحثان منهجاً مختلطاً يجمع بين التحليل الكمي والمقابلات النوعية.
في الشق الأول، جرى تحليل بيانات إدارية من نظام «APOGEE» تشمل 55 ألفاً و674 طالباً، باستعمال نموذج الانحدار اللوجستي لتحديد المتغيرات المرتبطة باحتمالات الانقطاع عن الدراسة.
وفي الشق الثاني، أجرى الباحثان 200 مقابلة شبه موجهة مع طلبة سابقين غادروا الجامعة، بهدف فهم تجاربهم مع الدراسة والتوجيه وما حدث في مساراتهم بعد الانقطاع.
وهنا يبرز أول تدقيق ضروري في قراءة الرقم: 55 ألفاً و674 لا يمثلون طلبة انقطعوا عن الجامعة، وإنما مجموع السجلات الطلابية التي دخلت في التحليل الكمي، بينما تخص المقابلات المائتان أشخاصاً غادروا الجامعة فعلاً.
الانقطاع الجامعي بالمغرب.. الأسرة والتخصص والتوجيه في المعادلة
أظهرت النتائج ارتباطاً بين الانقطاع الجامعي والخلفية الاجتماعية الأقل حظاً، وخصوصاً انخفاض المستوى التعليمي للوالدين واشتغالهما في مهن منخفضة التأهيل.
كما سجل الباحثان ارتباطاً بعوامل أكاديمية، من بينها التحصيل الدراسي السابق، ونوع شهادة البكالوريا التي حصل عليها الطالب، والكلية التي التحق بها.
وتعني هذه النتائج أن عبور باب الجامعة لا يؤدي تلقائياً إلى محو الفوارق التي تراكمت قبل الوصول إلى التعليم العالي.
فطلبة قادمون من مسارات أسرية وتعليمية مختلفة لا يدخلون الجامعة بالضرورة بالمستوى نفسه من الموارد الاجتماعية والمعرفية، ولا بالقدرة نفسها على فهم اختيارات التخصص والتكيف مع طريقة الدراسة الجامعية.
غير أن الدراسة لا تتوقف عند الأسرة والتحصيل.
فالنتائج التي نشرها مركز السياسات تشير أيضاً إلى أن ضعف التوجيه الأكاديمي والمهني أو غيابه يرتبط بالفشل الأكاديمي وبمسارات قد تنتهي بالانقطاع والانتقال إلى وضعية «NEET»، أي الشباب غير المشتغلين وغير المتمدرسين وغير المتابعين لأي تكوين.
وهذا المعطى ينقل النقاش من سؤال «لماذا يفشل الطالب؟» إلى سؤال أكثر ارتباطاً بمسؤولية المؤسسة: متى تعرف الجامعة أن طالباً بدأ يسير نحو الانقطاع؟
فالنتائج تضع الفصول الأولى من الدراسة الجامعية في موقع حساس، حيث قد يكتشف الطالب أن الشعبة المختارة لا تتناسب مع مؤهلاته أو تطلعاته، أو يواجه صعوبات في التكيف مع أساليب التعلم الجديدة من دون وجود تدخل مبكر يسمح بالمواكبة أو إعادة التوجيه.
وهنا تظهر أهمية التوجيه كما يقدمها الباحثان: ليس مجرد خدمة تقدم للطالب قبل التسجيل، وإنما أداة يمكن أن تستمر خلال المسار الجامعي لمنع تحول الاختيار غير الملائم أو التعثر الأول إلى مغادرة نهائية.
وتتقاطع هذه الإشكالية مع ملفات أخرى مرتبطة بظروف الطلبة داخل الجامعة المغربية.
فقد سبق لـMarocActu24 أن تناول دراسة أخرى شملت 1168 طالباً وطالبة بجامعة عبد المالك السعدي، وسجلت مؤشرات مرتفعة للاضطرابات النفسية داخل العينة، مع تأكيد واضح أن نتائجها لا تمثل نسبة وطنية لجميع الطلبة المغاربة.
اقرأ أيضاً | 55.6% من عينة جامعية بشمال المغرب تظهر مؤشرات اضطراب نفسي.. و11.2% لخطر الانتحار
ولا تعني الدراسة الجديدة أن الصعوبات الاجتماعية أو ضعف تعليم الوالدين أو غياب التوجيه «تسبب» وحدها الانقطاع في كل حالة.
فالارتباط الإحصائي لا يساوي تلقائياً علاقة سببية، كما أن مسارات مغادرة الجامعة يمكن أن تتداخل فيها عوامل متعددة تختلف من طالب إلى آخر.
كذلك لا يقدم الملخص المنشور للدراسة معدلاً وطنياً للانقطاع الجامعي يمكن تطبيقه على جميع الجامعات والكليات المغربية.
ولهذا سيكون من غير الدقيق تحويل حجم العينة، أي 55 ألفاً و674 طالباً، إلى رقم للهدر الجامعي أو تقديمه باعتباره عدد من يغادرون الجامعة في المغرب.
لكن قيمة البحث تكمن في أنه يحدد مجموعة من المؤشرات التي يمكن، من حيث المبدأ، أن تساعد المؤسسات الجامعية على التعرف إلى الفئات الأكثر عرضة للتعثر والانقطاع.
وهنا يصبح السؤال مؤسساتياً: هل تستعمل الجامعات بالفعل البيانات التي تتوفر عليها لاكتشاف الطالب المهدد بالمغادرة؟
فنظام «APOGEE» نفسه يحتوي على معطيات تتعلق بالمسارات الجامعية والنتائج والتسجيل، والدراسة تبين أن تحليل هذا النوع من البيانات يمكن أن يكشف ارتباطات تساعد على فهم مخاطر الانقطاع.
لكن معرفة عوامل الخطر شيء، وتحويلها إلى تدخل جامعي مبكر شيء آخر.
فالاختبار الحقيقي يتمثل في عدد الطلبة الذين يتم رصد تعثرهم، وعدد المستفيدين من التوجيه وإعادة التوجيه والمواكبة الأكاديمية، ثم نسبة الذين يواصلون دراستهم بعد التدخل.
ولا يوفر الملخص المتاح للبحث حصيلة وطنية لهذه الخدمات، كما لا يقدم تقييماً مالياً لبرامج التوجيه داخل الجامعات أو يقيس مردوديتها مؤسسةً بمؤسسة.
وهذا يجعل مجموعة من الأسئلة مفتوحة أمام وزارة التعليم العالي والجامعات: كم طالباً يستفيد سنوياً من التوجيه داخل المؤسسات؟ وكم حالة إعادة توجيه تتم بعد الالتحاق بالجامعة؟ وهل تنشر المؤسسات نسب الانقطاع بحسب الكلية والشعبة والسنة الجامعية؟
كما يطرح الملف سؤالاً أوسع بشأن الاستمرار في الدراسة وليس فقط الولوج إليها.
فقد تابع MarocActu24 خلال غشت الماضي الجدل الذي أثارته رسوم بعض التكوينات بنظام «التوقيت الميسر»، والتي وصلت في بعض المسالك إلى 20 ألف درهم سنوياً بالنسبة إلى الدكتوراه، وسط احتجاجات طلابية على كلفة مواصلة الدراسة.
اقرأ أيضاً | رسوم الجامعات بالمغرب تصل إلى 20 ألف درهم سنوياً للدكتوراه وتفجر احتجاجات أمام البرلمان
ولا تدرس ورقة الراوي وإيبورك هذه الرسوم تحديداً، لذلك لا يمكن ربطها بنتائج البحث، لكنها تندرج ضمن سؤال أوسع يتعلق بالشروط الأكاديمية والاجتماعية التي تحيط بقدرة الطالب على الاستمرار في التعليم العالي.
وتخلص الدراسة إلى أهمية التوجيه الأكاديمي والمهني المبكر باعتباره إحدى الآليات المؤسساتية القادرة على تحسين الاحتفاظ بالطلبة وتقليص عدم المساواة التعليمية.
لكن الرقم الذي ما زال غائباً عن هذه الصورة هو الأكثر بساطة والأكثر حساسية في الوقت نفسه: كم طالباً يغادر فعلياً الجامعات المغربية كل سنة من دون الحصول على شهادة؟
الدراسة تقدم مؤشرات عن «من يكون أكثر عرضة للانقطاع» والعوامل المرتبطة بمساره.
أما معرفة الحجم الوطني للظاهرة، وتوزيعه بين الجامعات والتخصصات، وقياس ما إذا كانت برامج التوجيه الحالية تمنع الانقطاع فعلاً، فتحتاج إلى أرقام منشورة ومنتظمة من وزارة التعليم العالي والجامعات.
وبين 55 ألفاً و674 مساراً جرى تحليلها و200 تجربة انقطاع جرى الاستماع إليها، تضع الدراسة سؤالاً مباشراً أمام الجامعة المغربية: هل تنتظر اختفاء الطالب من مقاعد الدراسة حتى تسجله ضمن المنقطعين، أم تستطيع معرفة أنه في طريقه إلى المغادرة قبل فوات الأوان؟
