أزيد من 835 مليار سنتيم استثمارات معلنة، و37 مليون درهم لثلاث دراسات أُسندت إلى المكتب نفسه، و92.7 مليون درهم لنظام مراقبة لا يشمل نحو 17 ألف قارب، فيما ظل إنتاج تربية الأحياء البحرية عند 3640 طناً سنة 2024 مقابل هدف أصلي بلغ 200 ألف طن في أفق 2020.

هذه الأرقام تعيد مخطط «أليوتيس» إلى واجهة المساءلة بعد 17 عاماً على إطلاقه، ليس من زاوية إنكار ما تحقق في قطاع الصيد البحري، وإنما من زاوية سؤال أكثر دقة: أين الحساب المالي الختامي للمخطط؟ وكم صُرف فعلياً من الاستثمارات المعلنة؟ وما النتائج التي تحققت مقابل كل مشروع واعتماد؟

أعلنت زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، أن الاستثمارات الإجمالية المرتبطة بمخطط «أليوتيس» تجاوزت 8.35 مليارات درهم، أي أزيد من 835 مليار سنتيم، منها نحو 1.55 مليار درهم قُدمت في شكل منح ومساعدات. وجاء الرقم في حوار نشرته «FOOD Magazine» في 23 يناير 2025. 1

المصدر | حوار زكية الدريوش حول حصيلة «أليوتيس»

لكن المثير في الحوار أن صياغته تتحدث عن استثمارات مرتبطة بالمخطط «منذ تنفيذه سنة 2007»، بينما الإطلاق الرسمي لاستراتيجية «أليوتيس» جرى في أكادير يوم 29 شتنبر 2009.

وهو فارق زمني يحتاج إلى توضيح: هل تشمل قيمة 8.35 مليارات درهم استثمارات سابقة على الإطلاق الرسمي للمخطط، أم أن الأمر يتعلق فقط بصياغة غير دقيقة للتاريخ؟

كما تحدثت الدريوش عن استثمار بقيمة 1.55 مليار درهم في البحث العلمي خلال عشر سنوات، وهو الرقم نفسه تقريباً المعلن كقيمة للمنح والمساعدات.

ولا تسمح المعطيات المنشورة بالقول إن الرقمين مستقلان أو إن أحدهما يدخل في الآخر، ولذلك لا يجوز جمعهما باعتبارهما غلافين منفصلين من دون وثيقة مالية تفصيلية.

وهنا تظهر أولى عقد الملف: الإعلان عن «استثمارات» لا يساوي حساباً ختامياً يحدد الاعتمادات المبرمجة والملتزم بها والمؤداة، ومصادر التمويل، وحصة المال العام والخاص، وأسماء المشاريع المستفيدة ونتائجها.

«أليوتيس».. مجلس الحسابات طلب الوثيقة المالية ولم يتوصل بها

هذه ليست ملاحظة جديدة.

ففي تقريره السنوي برسم سنة 2018، سجل المجلس الأعلى للحسابات أنه، رغم طلباته المتعددة، لم تقدم له إدارة الصيد البحري وثيقة مرجعية للمخطط تتضمن الغلاف المالي الإجمالي والميزانيات المخصصة للمشاريع ومصادر تمويلها.

وكشف المجلس أنه في يوليوز 2016، وبعد سنوات من إطلاق المخطط، لم يكن قد اكتمل سوى 25 مشروعاً من أصل 70 مشروعاً مبرمجاً، بمبلغ إجمالي بلغ 567.72 مليون درهم، وبنسبة إنجاز ميزانياتي لم تتجاوز 12.75%.

ولم تتجاوز مخططات العمل المكتملة 39%، بينما أنجز 36% منها جزئياً وظل 25% دون تنفيذ في تلك المرحلة.

المصدر الرسمي | المجلس الأعلى للحسابات – تقرير 2018

ورد قطاع الصيد حينها بأن الالتزام المالي بمشاريع «أليوتيس» بلغ 80% بنهاية سنة 2018، وأن وثيقة تفصيلية للتمويل أُعدت فعلاً وحددت كلفة المشاريع ومصادر تمويلها.

وهنا ينبغي الفصل بين مفهومين: الالتزام المالي لا يعني بالضرورة أن النفقة أُديت فعلياً، كما أن جواب الوزارة بوجود وثيقة تفصيلية يجعل نشرها اليوم أكثر أهمية، خصوصاً بعد انتهاء أفق المخطط منذ سنوات.

37.07 مليون درهم لثلاث صفقات مع المكتب نفسه

وثق المجلس الأعلى للحسابات أيضاً ثلاث صفقات مرتبطة مباشرة بإعداد «أليوتيس» ومواكبته وتقييم مرحلته الأولى.

في سنة 2008، أُسندت إلى مكتب دراسات صفقة إعداد المخطط بقيمة 8.97 ملايين درهم.

وفي 2010 حصل المكتب نفسه على مهمة التخطيط والمساعدة ومواكبة وتتبع تنفيذ المخطط مقابل 15.59 مليون درهم.

ثم أُسندت إليه سنة 2015 دراسة إعداد الحصيلة المرحلية للمخطط بقيمة 12.51 مليون درهم.

ويصل مجموع قيم الصفقات الثلاث إلى 37.07 مليون درهم.

ولم يقل المجلس إن مجرد إسناد الصفقات الثلاث يمثل مخالفة، لكنه حذر من «مخاطر عدم التوافق وذاتية التحليل» الناتجة عن إسناد إعداد الاستراتيجية ومتابعة تنفيذها ثم إعداد حصيلتها المرحلية إلى المتدخل نفسه.

ورد القطاع بأن الدراسة الثالثة كانت تتعلق بحصيلة تنفيذ خارطة الطريق وليست تقييماً للاستراتيجية نفسها.

لكن بعد انتهاء أفق «أليوتيس»، يبقى السؤال قائماً: هل أُنجز تقييم نهائي مستقل للمخطط بكامله؟ وهل سيُنشر للعموم مع بياناته المالية؟

من أخنوش إلى الدريوش.. استراتيجية انتهت في 2020 والجديدة تأخرت

أُطلق «أليوتيس» سنة 2009 خلال تولي عزيز أخنوش وزارة الفلاحة والصيد البحري، وحدد أهدافاً كمية في أفق 2020، بينها إنتاج وطني بـ1.66 مليون طن، واستهلاك محلي بـ16 كيلوغراماً للفرد سنوياً، وصادرات بقيمة 3.1 مليارات دولار.

وبحكم إشرافه الوزاري على إطلاق المخطط وعلى جزء كبير من فترة تنفيذه، يظل أخنوش معنياً بحصيلة المرحلة التي كان مسؤولاً خلالها عن القطاع، إلى جانب الوزراء والمسؤولين والمؤسسات التي تعاقبت بعده.

والمساءلة هنا لا تعني تحميل شخص واحد كل اختلالات قطاع ممتد على سنوات، بل ربط كل مرحلة بالقرارات والاعتمادات والنتائج التي تحققت خلالها.

ففي تقريره السنوي برسم 2024-2025، سجل المجلس الأعلى للحسابات أن استراتيجية «أليوتيس» غطت الفترة 2009-2020، وأنه منذ انتهاء هذه الفترة «لم يتم اعتماد أي استراتيجية جديدة» تضمن استمرارية الجهود وتتجاوز النقائص المسجلة أثناء تنفيذ المخطط. 9

المصدر الرسمي | المجلس الأعلى للحسابات – تقرير 2024-2025

وأكدت رئاسة الحكومة وكتابة الدولة في جوابهما أنه جرى منذ 2020 تنفيذ خطط عمل مستوحاة من «أليوتيس»، وأن كتابة الدولة بلورت سنة 2025 خارطة طريق جديدة تتعلق باستدامة الموارد والتثمين وتشجيع الاستهلاك المحلي.

لكن المجلس سجل صراحة أنه «لم يتوصل بما يثبت إنجاز» خطط العمل المذكورة وخارطة الطريق الجديدة. 10

وفي تطور أحدث، قالت زكية الدريوش أمام مجلس المستشارين في ماي 2026 إن قطاعها وضع، على ضوء ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات، خطة عمل تتضمن 74 تدبيراً، وإن نسبة تقدم تنفيذها بلغت نحو 50%.

كما تحدثت عن أكثر من 30 مخططاً لتهيئة المصايد ضمن خارطة الطريق 2025-2027. 11

وهذا معطى ينبغي تسجيله لصالح آخر تطورات الملف، لكنه يفتح بدوره سؤالاً قابلاً للقياس: ما التدابير الـ74 بالتفصيل؟ ما الـ50% التي أنجزت؟ وما التدابير المتبقية وآجال تنفيذها؟

200 ألف طن هدفاً.. و3640 طناً فقط في 2024

أكثر الأرقام وضوحاً توجد في تربية الأحياء البحرية.

فالمجلس الأعلى للحسابات أكد أن «أليوتيس» وضع هدفاً لإنتاج 200 ألف طن سنوياً من الأحياء البحرية بحلول سنة 2020.

لكن إنتاج القطاع لم يتجاوز 3640 طناً سنة 2024، أي بعد أربع سنوات من الموعد الأصلي للهدف. 12

وبالمقارنة الحسابية البسيطة، يعادل إنتاج 2024 نحو 1.82% فقط من الهدف الذي كان محدداً لسنة 2020.

ولا ينبغي التعامل مع هذه النسبة باعتبارها «نسبة إنجاز نهائية لكل مخطط أليوتيس»، لأنها تخص مؤشراً واحداً هو إنتاج تربية الأحياء البحرية، وفي سنة لاحقة عن الموعد الأصلي للهدف.

لكن الفجوة تبقى ضخمة.

وسجل المجلس أن قانون تربية الأحياء البحرية لم يعتمد إلا في مارس 2023، بعد أكثر من 12 سنة على إحداث الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية سنة 2011، وأن عدداً من النصوص التطبيقية الأساسية ظل غير منشور وقت إنجاز المهمة الرقابية.

وفي 14 يوليوز 2026، أعلنت الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية وجود 244 مشروعاً نشطاً بطاقة إنتاجية مستهدفة تقارب 90 ألف طن سنوياً.

لكن بلاغ الوكالة لم يقدم رقماً محيناً للإنتاج الفعلي لهذه المشاريع، ولذلك يجب التمييز بين «القدرة الإنتاجية المستهدفة» والإنتاج الذي تحقق فعلاً. 14

المصدر الرسمي | الوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية

السردين يتراجع 46%.. ودراسة علمية تحذر من الاستغلال المفرط

بعيداً عن تربية الأحياء البحرية، تظهر ضغوط أخرى في المصايد الطبيعية.

فبحسب بيانات المكتب الوطني للصيد التي نقلتها الهيئات المهنية ووسائل إعلام متخصصة، تراجعت مفرغات السردين من نحو 965 ألف طن سنة 2022 إلى حوالي 525 ألف طن سنة 2024، أي انخفاضاً يقارب 46% في عامين. 15

ولا يعني انخفاض المفرغات وحده أن الكتلة السمكية انخفضت بالنسبة نفسها، لأن أحجام الصيد تتأثر أيضاً بجهد الصيد والطقس والإجراءات التنظيمية.

لكن دراسة علمية منشورة يوم 4 يوليوز 2026 في مجلة «Community Ecology» التابعة لـSpringer Nature خلصت، اعتماداً على بيانات تمتد من 1995 إلى 2021، إلى وجود استغلال مفرط في مخزوني السردين بوسط وجنوب الأطلسي المغربي، وكان الوضع أشد في المخزون الجنوبي.

وقدرت الدراسة الكتلة السمكية في الجنوب بأقل من 30% من المستوى المرجعي المرتبط بالمردود الأقصى المستدام، فيما تجاوز معدل النفوق الناتج عن الصيد خمسة أضعاف المستوى المرجعي. 16

المصدر العلمي | Springer Nature – Community Ecology

وكان MarocActu24 قد تابع في شتنبر مفارقة محلية داخل هذه الصورة، بعدما قفزت مفرغات السردين بميناء العيون بـ85% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مع اعتماد تعليق دوري للصيد عند ارتفاع الكميات اليومية، وهو ما يؤكد أن التطورات المحلية في المفرغات لا تُقرأ بالضرورة بالطريقة نفسها التي تُقرأ بها حالة المخزون على المستوى الوطني أو البيولوجي.

اقرأ أيضاً | ميناء العيون.. مفرغات السردين تقفز 85% والقيمة ترتفع 116%

92.7 مليون درهم للمراقبة.. و17 ألف قارب خارج نظام VMS

ملف المراقبة يقدم بدوره أرقاماً تستحق التوقف.

فالمجلس الأعلى للحسابات سجل أن نظام الرصد والتتبع عبر الأقمار الاصطناعية VMS، الذي وُضع في إطار «أليوتيس» لمراقبة أسطول الصيد الساحلي وأعالي البحار، بلغت كلفته الإجمالية 92.7 مليون درهم خلال الفترة من 2012 إلى 2021.

ويسجل التقرير للنظام نتيجة مهمة: ساهم في تسجيل 50% من مجموع مخالفات أنشطة الصيد البحري وطنياً بين 2019 و2023.

لكن المجلس سجل في المقابل أن النظام لا يشمل أسطول الصيد التقليدي، الذي يضم حوالي 17 ألف قارب، وأن البيانات التي يقدمها تقتصر على الموقع والسرعة والمسار دون توفير معلومات عن الكميات المصطادة وأنواعها.

وفي التقرير نفسه، أورد المجلس نتائج دراسة ميدانية أنجزها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري سنة 2023، وقدرت نسبة الصيد غير المهيكل في الأسماك السطحية الصغيرة بحوالي 35% خلال الفترة من 2020 إلى 2022.

وهذه النسبة محددة بالفئة والفترة اللتين شملتهما الدراسة، ولا يجوز تعميمها على مجمل قطاع الصيد أو تقديمها باعتبارها مستوى الصيد غير القانوني في المغرب اليوم.

كما سجل المجلس وجود ممارسات غير قانونية تخرج أحياناً من منظومة التتبع، وأشار إلى أن نظام «SAMAC» يسجل إجراءات توثيق المصطادات الموجهة للتصدير، لكنه لا يغطي مختلف عمليات التفويت المرتبطة بالمصطادات الموجهة إلى السوق المحلية.

وفي جانب آخر من آليات الرقابة الصحية، سبق لـMarocActu24 أن تابع قرارات منع جمع وتسويق الصدفيات في مناطق بتطوان وشفشاون، استناداً إلى نتائج تحاليل المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، وهو مثال على الدور الذي تلعبه منظومات البحث والمراقبة في إدارة المنتجات البحرية.

اقرأ أيضاً | منع بيع الصدفيات بتطوان وشفشاون بعد رصد سموم بحرية تتجاوز المعايير الصحية

مكاسب تحققت.. لكنها لا تغلق ملف الحساب

من غير الدقيق اختزال «أليوتيس» كله في الاختلالات.

فالمجلس الأعلى للحسابات نفسه سجل في تقرير 2018 ارتفاع الناتج الداخلي الخام لقطاع الصيد من 8.3 مليارات درهم سنة 2007 إلى 15 ملياراً سنة 2015، وارتفاع الإنتاج والصادرات وتطوير بنيات وتجهيزات جديدة. 21

كما تكشف أحدث المعطيات استمرار الاستثمار في البحث العلمي والتثمين والتسويق وتربية الأحياء البحرية، فيما تقول كتابة الدولة إن خارطة الطريق 2025-2027 تهدف إلى معالجة عدد من الاختلالات التي سجلتها المرحلة السابقة.

لكن الاعتراف بالمكاسب لا يلغي الحاجة إلى الحساب.

فبعد أكثر من 17 عاماً على إطلاق «أليوتيس»، يوجد اليوم رقم معلن يتجاوز 8.35 مليارات درهم، وتقارير رقابية قديمة وحديثة، وصفقات دراسات ومراقبة بعشرات الملايين، وأهداف تحققت بدرجات متفاوتة، وأخرى ظلت بعيدة بشكل كبير عن مستوياتها المعلنة.

ولهذا فإن السؤال المالي لا ينبغي أن يتوقف عند: كم تم «استثماره»؟

بل ينبغي أن يمتد إلى: كم كان المال العمومي داخل هذا الرقم؟ وكم كان استثماراً خاصاً؟ وكم أُدي فعلياً؟ وما قيمة المنح والمساعدات حسب البرنامج والمستفيد؟ وما كلفة كل مشروع منجز أو متأخر أو متوقف؟

ومن مرحلة عزيز أخنوش، الذي أشرف على إطلاق المخطط وتنفيذ جزء كبير منه، إلى مرحلة زكية الدريوش، التي تقول إن خطة من 74 تدبيراً دخلت مرحلة التنفيذ، تظل المسؤولية موزعة زمنياً ومؤسساتياً ولا يمكن اختزالها في شخص واحد.

لكن هذا لا يلغي حق الرأي العام في وثيقة واحدة تجمع الحساب.

835 مليار سنتيم استثمارات معلنة، و37.07 مليون درهم لثلاث صفقات دراسات مرتبطة بالمخطط، و92.7 مليوناً لنظام مراقبة، وهدف 200 ألف طن في تربية الأحياء البحرية مقابل إنتاج لم يتجاوز 3640 طناً سنة 2024.

بعد كل هذه الأرقام، يصبح المطلوب أقل تعقيداً من المخطط نفسه: نشر حساب ختامي يربط المال بالمشروع، والمشروع بالنتيجة، والنتيجة بالمسؤول عن الفترة التي أُنجزت فيها.

فمن دون ذلك، سيبقى «أليوتيس» غنياً بالأرقام.. وفقيراً في الحساب المالي النهائي المتاح للرأي العام.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version