بقلم: مراد مجاهد
تابعت حوار البقالي والمهدوي لا باعتباره مجرد حوار صحفي آخر يضاف إلى أرشيف هذه المرحلة، ولا بحثاً عن جملة تصلح للاقتطاع والتداول، وإنما باعتباره فرصة للإنصات إلى رجل قضى من عمره السياسي والصحفي ما يكفي ليعرف أن السياسة ليست دائماً ما تقوله الميكروفونات، وأن ما يظهر على سطح المشهد ليس بالضرورة كل ما يجري في أعماقه.
وأنا أستمع إلى عبد الله البقالي، وجدت نفسي أتفق معه في أشياء، وأختلف معه في أخرى، وأتحفظ على بعض الاستنتاجات.
ليس لأن الرجل لا يستحق الاحترام، بل لأن الاحترام الحقيقي لا يعني تحويل صاحبه إلى حصانة من النقد. الاحترام، في تقديري، هو أن تقول لمن تحترمه ما تعتقده بهدوء، من دون خصومة، ومن دون تلك المجاملات التي تجعلنا نصفق أحياناً لمن نقدرهم حتى عندما يكونون في حاجة إلى من يزعج قليلاً راحة اليقين.
ما لفتني في الحوار لم يكن فقط ما قيل عن الخطاط ينجا أو عبد الرحيم بوعيدة أو فوزي لقجع، ولا تفاصيل التحركات الحزبية والانتخابية المتسارعة، وإنما سؤال أكبر يطل من خلف كل هذه الأسماء: ماذا بقي من معنى الحزب عندما أصبحت الخريطة السياسية تتحرك بسرعة أكبر من قدرة المواطن على فهم دوافع تحركها؟
حوار البقالي والمهدوي.. حين يصبح انتقال الأسماء أكبر من البرامج
نرى اليوم اسماً يغادر، وآخر يلتحق، وشخصاً يحصل على التزكية، وآخر يخسرها، ومرشحاً كان متوقعاً أن يدخل السباق ثم يبقى خارجه، وشخصيات تنتقل من ضفة إلى أخرى. وكل طرف يقدم روايته، وكل رواية تجد من يدافع عنها.
حتى أصبح المواطن في حاجة أحياناً إلى قاموس سياسي لفهم لماذا كان الشخص بالأمس في حزب وأصبح اليوم في حزب آخر، ولماذا يصبح الانتقال في خطاب جهة ما «استقطاباً للكفاءات»، وفي خطاب أخرى «نزيفاً»، ولماذا تتحول التزكية من قرار تنظيمي إلى معركة أخلاقية، ومن شأن داخلي للحزب إلى مادة يومية للاستهلاك الإعلامي.
وهذه ليست مشكلة حزب واحد.
إنها مشكلة السياسة المغربية حين تتحول الانتخابات من لحظة لتجديد التعاقد بين الناخب والمنتخب إلى موسم لإعادة ترتيب مواقع النخب قبل أن يصل الناخب أصلاً إلى صندوق الاقتراع.
ولست هنا بصدد محاكمة حزب الاستقلال، ولا منح صك براءة لحزب الأصالة والمعاصرة، ولا أعتقد أن السياسة بهذه البساطة التي تجعل حزباً أصل الشرور وحزباً آخر عنوان الخلاص.
حزب الاستقلال، بما يحمله من تاريخ ومرجعية وذاكرة وطنية وحضور في الحياة السياسية المغربية، ليس مجرد لافتة انتخابية يمكن اختزالها في اسم مرشح أو نتيجة اقتراع. والأمر نفسه ينسحب على الأحزاب الأخرى، قديمها وحديثها.
فالحزب في جوهره فكرة قبل أن يكون مقعداً، وذاكرة قبل أن يكون تزكية، ومشروعاً مجتمعياً قبل أن يكون ماكينة انتخابية.
وإذا أصبح معيار النجاح هو عدد الأسماء التي يستطيع الحزب استقطابها عشية الانتخابات، فإن سؤالاً مشروعاً يفرض نفسه: ماذا عن المناضلين الذين حملوا الحزب في السنوات التي لم تكن فيها الأضواء مسلطة عليه؟ وماذا عن المواطن الذي يصوت على شخص لأنه يعتقد أنه يصوت أيضاً على مشروع سياسي؟
هناك فارق بين استقطاب كفاءة جديدة لتقوية مشروع حزبي، وبين أن يتحول الحزب نفسه إلى محطة عبور للكفاءات والأعيان والمنتخبين كلما اقترب موعد الاقتراع.
قد يقول قائل إن السياسة لا تعرف العواطف، وإن من حق أي سياسي أن يختار الحزب الذي يعتقد أنه أقرب إلى قناعاته أو أكثر قدرة على تحقيق مشروعه.
وهذا صحيح من حيث المبدأ، فحرية الانتماء والاختيار السياسي جزء أساسي من الحياة الديمقراطية.
لكن الديمقراطية لا تسأل فقط: هل يحق لك أن تنتقل؟
بل تسأل أيضاً: لماذا انتقلت؟ وما الأفكار التي تغيرت؟ وماذا وجدت في المشروع الجديد ولم تجده في السابق؟ وهل تغيرت القناعة فعلاً، أم تغيرت فقط خريطة الترشيح؟
المواطن أكثر ذكاء مما يعتقد بعض السياسيين، لا يراقب بطاقة العضوية وحدها، بل يراقب اتجاه الريح أيضاً، ويستطيع، ولو بمرور الوقت، أن يميز بين انتقال سياسي يمكن الدفاع عنه فكرياً وبين انتقال تحكمه حسابات الموسم الانتخابي.
ومن هنا أفهم جزءاً مهماً من حديث عبد الله البقالي عن التحولات الجارية، لكنني لا أستطيع الذهاب معه دائماً إلى نهاية الطريق في بعض التأويلات.
لأن حماية السياسة من الابتذال لا تكون بقراءة تحركات الأشخاص وحدها، وإنما بقراءة بنية النظام الحزبي نفسه.
المشكلة ليست أن ينتقل الخطاط ينجا أو غيره من حزب إلى آخر، ولا أن يستقطب «البام» أو أي حزب آخر اسماً وازناً. المشكلة تبدأ عندما يصبح السؤال المركزي قبل الانتخابات: من ذهب إلى أين؟ بدل السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيقدم هذا الحزب للمغاربة؟
حين يصبح انتقال السياسي خبراً أكبر من برنامجه، تتحول السياسة إلى سير ذاتية متنقلة، ويصبح الحزب إطاراً انتخابياً أكثر منه مدرسة سياسية، وتصبح التزكية أحياناً أهم من الفكرة التي يفترض أن تمنحها معناها.
والخطاط ينجا، الذي انتقل من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة وأصبح عضواً في مكتبه السياسي ومرشحه بدائرة وادي الذهب، يقدم مثالاً واضحاً على هذا النقاش.
المصدر الرسمي | لائحة مرشحي حزب الأصالة والمعاصرة بالدوائر المحلية
السؤال بالنسبة إلي ليس إن كان انتقاله «خيانة» أو «وفاء». هذه لغة عاطفية لا تساعد كثيراً على بناء حياة حزبية ناضجة.
السؤال الأهم هو: ماذا حمل معه من مشروع؟ ما التفسير السياسي الذي يقدمه للناخب؟ وهل سيصوت المواطن على المشروع الجديد أم على الاسم والرصيد المحلي للرجل؟
الحزب نفسه قدم هذه التحركات باعتبارها انفتاحاً واستقطاباً للكفاءات، وهذا حقه السياسي، لكن من حق الناخب بدوره أن يسأل إن كان الاستقطاب سيغير مضمون المشروع أم يكتفي بتقوية لائحة المرشحين.
أما حالة فوزي لقجع، فتقدم بدورها مثالاً مختلفاً.
فقد ارتبط اسمه خلال يوليوز باحتمال الترشح بدائرة بركان باسم حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تستقر المعطيات الانتخابية لاحقاً على بقائه عضواً في المكتب السياسي وفاعلاً في حملة الحزب من دون وجود اسمه ضمن مرشحي الدائرة في السباق التشريعي.
وهنا لا أرى ضرورة للبحث عن «لغز» حيث قد لا يوجد لغز أصلاً.
يمكن لشخص أن يكون داخل قيادة حزب دون أن يكون مرشحاً للبرلمان، ويمكن أن تكون له وظيفة سياسية أو تنظيمية تتجاوز دائرة انتخابية بعينها. هذا أمر طبيعي.
لكن الواقعة تكشف مشكلة في الطريقة التي نتعامل بها، إعلاماً وأحزاباً وجمهوراً، مع السياسة، وكأن أهم سؤال يمكن طرحه حول شخصية عامة هو: أين سيترشح فلان؟
بينما السياسة الحقيقية يفترض أن تبدأ عندما تنتهي هذه الأسئلة.
اقرأ أيضاً | ترشح فوزي لقجع 2026.. عدول عن سباق بركان
والأمر نفسه ينسحب على عبد الرحيم بوعيدة، الذي أعلن يوم 9 شتنبر 2026 عدم خوض الانتخابات التشريعية، منهياً أسابيع من التكهنات حول مستقبله الانتخابي.
بعيداً عن الروايات المتضاربة التي رافقت ملف التزكية، فإن المسألة تطرح سؤالاً أعمق: لماذا ننتظر أحياناً خروج السياسي من السباق أو انتقاله من حزب إلى آخر أكثر مما ننتظر منه تفسيراً واضحاً لمساره السياسي؟
السياسة لا ينبغي أن تكون زواجاً كاثوليكياً. من حق الإنسان أن يغير موقعه، ومن حقه ألا يترشح، ومن حقه أن يختلف مع حزبه.
لكن من حق الناخب كذلك أن يفهم.
التزكية.. من يملك حق تمثيل الحزب ولماذا؟
وهنا أصل إلى سؤال أراه مركزياً، وربما أكثر أهمية من أسماء المرشحين أنفسهم: ما الشروط والمعايير السياسية والنضالية التي تعتمدها الأحزاب لاختيار مرشح لمقعد في مجلس النواب دون باقي الراغبين في الترشح؟
هل الأولوية لتاريخ النضال داخل التنظيم؟
أم للكفاءة؟
أم للحضور الانتخابي؟
أم للقدرة على جلب الأصوات؟
أم للقبول المحلي؟
أم لمزيج من هذه الاعتبارات؟
كل هذه المعايير يمكن مناقشتها والدفاع عن بعضها، لكن المشكلة تبدأ حين لا يعرف المناضلون أنفسهم القاعدة التي حُسم بها الاختيار.
فالتزكية ليست مجرد ورقة تمنح شخصاً حق خوض الانتخابات. إنها رسالة سياسية يوجهها الحزب إلى مناضليه وإلى المواطنين معاً.
وإذا كان المناضل مطالباً باحترام القرار التنظيمي عندما يخسر التزكية، فمن حقه بالمقابل أن يعرف كيف اتخذ القرار، وما الذي جعل اسماً يتقدم على اسم آخر.
الكلمة لكم، والقرار قراركم، لكن المسؤولية أيضاً عليكم.
فالأحزاب لا تحاسب فقط على من تفوز به، وإنما على الطريقة التي اختارت بها من يمثلها، وعلى الرسالة التي توجهها إلى مناضليها عندما تضع اسماً فوق آخر.
هل تكافئ التزكية مساراً نضالياً ومشروعاً سياسياً؟
أم تكافئ فقط القدرة الانتخابية؟
وإذا كانت الديمقراطية الداخلية تعني شيئاً، فلا ينبغي أن تتحول معايير الاختيار إلى أسرار تنظيمية لا يعرفها إلا أصحاب القرار.
فالشفافية لا تبدأ يوم الاقتراع، بل يوم اختيار من سيطلب أصوات الناس باسم الحزب.
وفي المغرب اليوم، لا نحتاج فقط إلى أحزاب تعرف كيف تستقطب الوجوه اللامعة عشية الانتخابات، بل إلى أحزاب قادرة على صناعة وجوه من داخلها، ومنح مناضليها معنى للانتماء، وشرح سبب استحقاق مشروعها لصوت الناخب.
فالاستقطاب ليس عيباً، وقد يكون قوة.
والتجديد ليس جريمة، بل ضرورة.
لكن الاستقطاب الذي لا يصحبه مشروع قد يتحول إلى مجرد تجميع، والتجديد الذي لا يصحبه فكر قد يتحول إلى تبديل للواجهات.
وكان الجدل بين مكونات الأغلبية نفسها بشأن انتقال المنتخبين قد وصل خلال الأسابيع الماضية إلى تبادل أرقام وأسماء، في صورة تؤكد أن «الترحال» والاستقطاب لم يعودا موضوعاً هامشياً في انتخابات 2026، بل أصبحا جزءاً من معركة الشرعية الحزبية ذاتها.
اقرأ أيضاً | الأحرار والبام.. 17 برلمانياً في قلب أزمة التحالف قبل 23 شتنبر
الصحافة: أن تقول لمن تحترمه «لا أتفق معك»
أما الجزء الذي يعنيني شخصياً أكثر في حوار البقالي والمهدوي فهو الصحافة.
عبد الله البقالي يعرف المهنة، وعاش داخلها عقوداً، ويعرف أن الصحافي ليس موظفاً عند السياسي، وأن السياسي ليس مالكاً للصحافي، وأن الإعلام لا يصبح مستقلاً لمجرد أنه ينتقد خصومك، ولا يصبح مهنياً لمجرد أنه يدافع عنك.
استقلال الصحافة يبدأ، في نظري، في اللحظة التي يستطيع فيها الصحافي أن يقول لمن يحترمه: «لا أتفق معك»، ويستطيع السياسي أن يسمع هذه العبارة دون أن يعتبرها خيانة.
ويستطيع القارئ بدوره أن يختلف مع الاثنين دون أن يتهم بالجهل أو العمالة أو سوء النية.
ولعل جلوس حميد المهدوي، المعروف بأسلوبه المباشر والصدامي أحياناً، أمام عبد الله البقالي للحديث في ملفات سياسية ومهنية، ثم ترك مساحة للاتفاق والاختلاف، أفضل في حد ذاته من إعلام يتحول فيه الضيف إلى ديكور والمقدم إلى محام، أو يتحول فيه الحوار إلى محاكمة أعد حكمها مسبقاً.
لكن الاستقلالية التي نطالب بها الصحافة لا يمكن أن تكون انتقائية.
لا يجوز أن ندافع عن حرية الصحافي عندما ينتقد خصومنا، ثم نتذكر «الأخلاق المهنية» عندما يقترب النقد منا.
ولا يجوز أن نطالب السياسي بالنزاهة والشفافية ثم نغض الطرف عن الأسئلة المشروعة عندما يتعلق الأمر بمن نحترم.
احترام الأشخاص ليس بديلاً عن النقد.
والتاريخ النضالي ليس شيكاً على بياض.
والسنوات التي قضاها شخص في العمل العام لا تمنحه حصانة من السؤال، كما أنها لا تبرر تحويل النقد إلى تصفية حسابات.
وهذه ربما أصعب معادلة في المرحلة المقبلة: أن نحترم الأشخاص دون أن نقدسهم، وأن ننتقد الأفكار دون أن نهين أصحابها.
وتحدث عبد الله البقالي في الحوار عن النزاهة والشفافية ومحاربة الفساد، وعن مساره الطويل، وعن عدم استفادته، بحسب ما قال، من امتيازات أو رخص استثنائية أو استثمارات غير مشروعة.
وهنا ينبغي أن يكون الكلام دقيقاً: هذه تصريحات يقدمها صاحبها عن مساره، ولا أملك ولا أريد أن أملك دور القاضي حتى أحول تصريحاً سياسياً أو شخصياً إلى شهادة براءة أو إدانة.
لكنني أؤمن بأن النزاهة الحقيقية لا تحتاج إلى إغلاق باب الأسئلة، بل إلى فتحه.
السياسي الذي يثق في نظافة مساره لا ينبغي أن يخاف من السؤال، والصحافي المستقل لا ينبغي أن يخاف من سؤال من يحترمه، والمواطن لا يمكن أن يبني ثقته إلا حين تكون المعلومة والشفافية أقوى من العلاقات الشخصية.
ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأي رجل عاش عقوداً في المجال العام ليس التصفيق له، بل أن نقول له: لقد عشنا معك ما يكفي لنعرف أنك قادر على تحمل السؤال.
من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات
لا أرى في انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد تنافس بين أحزاب على المقاعد.
أراها اختباراً صغيراً لسؤال أكبر بكثير: هل نحن بصدد الانتقال فعلاً من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات، أم أننا نعيد فقط ترتيب الأشخاص داخل المؤسسات نفسها؟
هل سيصوت الناخب المغربي على البرنامج أم على الاسم؟
هل سيبحث عن الحزب الذي يقدم رؤية، أم عن المرشح الذي يملك قدرة أكبر على الوصول؟
وهل ستفهم الأحزاب أن المواطن لم يعد ذلك المتلقي الذي ينتظر موسم الانتخابات ليصدق كل ما يقال له، وإنما صار يراقب ويقارن ويتذكر؟
قد أختلف مع عبد الله البقالي في بعض ما قال، لكنني لا أختلف معه في أمر أساسي: السياسة والصحافة كلتاهما تحتاجان إلى أخلاق.
غير أن الأخلاق السياسية لا تقاس فقط بما نقوله عن النزاهة، بل بما نفعله عندما تصبح النزاهة مكلفة.
واستقلال الصحافة لا يقاس فقط بقدرتها على مهاجمة السلطة، وإنما أيضاً بقدرتها على مساءلة المعارضة، والحزب، والصديق، ومن نحترمهم.
وربما يكون الاختبار الحقيقي لنا جميعاً هو أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف ننتقد دون أن نشتم، وكيف نحترم التاريخ دون أن نحوله إلى حصانة، وكيف نعيش الحاضر دون أن نسمح له بمحو الذاكرة.
لقد دخلنا زمناً انتخابياً لا يكفي فيه أن تقول الأحزاب للناس: «لدينا أسماء قوية».
لأن السؤال الذي سيأتي بعدها هو: وماذا ستفعلون بهذه الأسماء؟
ولا يكفي أن يقول السياسي: «أنا ابن هذا الحزب منذ سنوات»، لأن الناخب يستطيع أن يسأله: وماذا فعلتم بهذه السنوات؟
ولا يكفي أن يقول آخر: «التحقت بحزب جديد لأنني أبحث عن الأفضل»، لأن المواطن يستطيع أن يسأله: الأفضل لمن؟ لك أم لنا؟
ولا يكفي أن يقول الصحافي: «أنا مستقل»، لأن الاستقلالية لا تعلن في البيانات، بل تثبت عندما يكون قول ما نعتقده مكلفاً.
خرجت من حوار البقالي والمهدوي بفكرة تبدو بسيطة، لكنها في نظري أكثر إزعاجاً من كثير من التحليلات: المشكلة ليست فقط أن السياسيين يغيرون أحزابهم، وإنما أن الأحزاب نفسها لم تعد دائماً تقنع الناس لماذا يجب أن يبقوا معها.
والمشكلة ليست أن الصحافي يعرف السياسي أو يتحاور معه، وإنما أن يتحول احترام العلاقة الإنسانية إلى تنازل عن السؤال.
والمشكلة ليست أن نختلف مع عبد الله البقالي، وإنما أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الاتفاق معه واجباً لأننا نحترمه، أو يصبح الاختلاف معه خصومة لأننا لا نتفق معه.
أما أنا فأختار طريقاً ثالثاً: احترام يسمح بالنقد، ومسافة لا تلغي التقدير، واختلافاً لا يتحول إلى خصومة.
فالسياسة في النهاية ليست حفلاً للأصدقاء.
والصحافة ليست مجلس عزاء للأفكار.
والانتخابات ليست مناسبة لتبديل الأسماء فقط.
إنها، في الأصل، اللحظة التي يفترض أن يقرر فيها المواطن، بعد أن تخفت كل الضوضاء، من يستحق أن يتكلم باسمه.
