دعم استيراد الأغنام يعود إلى قلب السجال السياسي بعد الخرجة الانتخابية لفوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، التي رد خلالها بعبارة «لعنة الله على الكاذبين» على منتقديه في ملف الدعم العمومي الموجه لمستوردي الأغنام.
فالملف لا يتعلق فقط بملاسنة سياسية في موسم انتخابي، وإنما بعملية بلغت كلفتها الرسمية 437 مليون درهم، أي 43.7 مليار سنتيم، خلال سنتي 2023 و2024، وشملت نحو 875 ألف رأس من الأغنام و156 مستورداً، وفق المعطيات التي أعلنتها وزارة الفلاحة في أبريل 2025.
وجاء رد لقجع، الخميس 10 شتنبر 2026، خلال لقاء انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة بدائرة أنفا في الدار البيضاء، حيث رفض تحميله مسؤولية مباشرة عن تدبير عمليات الاستيراد، مستحضراً مثال الصفقات التي تطلقها القطاعات الحكومية بعد المصادقة على الاعتمادات المالية.
وقال لقجع، في سياق رده على منتقديه: «لعنة الله على الكاذبين، وخاصة الكاذبين الذين يدعون التقوى»، قبل أن يطرح مثالاً يتعلق بوزارة التربية الوطنية، متسائلاً عما إذا كان وزير التعليم، عندما يطلق صفقات، يعود إلى الوزير المكلف بالميزانية في تفاصيل تنفيذها.
ويقوم هذا الدفاع، في جوهره، على الفصل بين رصد الاعتمادات والمصادقة عليها من جهة، وبين التنفيذ المباشر للنفقات والإجراءات التي تتولاها القطاعات الوزارية المعنية من جهة أخرى.
مصدر تصريح | لقجع خلال لقاء أنفا بالدار البيضاء – 10 شتنبر 2026
دعم استيراد الأغنام.. القرار المشترك يعيد وزارة المالية إلى قلب الملف
غير أن إسقاط تشبيه «صفقة المدارس» على دعم استيراد الأغنام يواجه معطى رسمياً أساسياً، إذ أكدت وزارة الفلاحة نفسها أن شروط الاستفادة من العملية كانت منصوصاً عليها في «قرار مشترك» بين وزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الفلاحة.
وجاء هذا المعطى صريحاً في البلاغ الرسمي المنشور عبر البوابة الوطنية للمملكة يوم 3 أبريل 2025، والذي أوضح أن المجال فُتح أمام المستوردين الذين تتوفر فيهم الشروط المنصوص عليها في القرار المشترك بين الوزارتين.
وهذا يعني أن وزارة المالية لم تكن، على المستوى التنظيمي، مجرد جهة رصدت الاعتمادات ثم خرجت نهائياً من إطار الآلية، بل كانت وزارتها طرفاً في القرار المشترك الذي حدد شروط الاستفادة منها.
غير أن هذا المعطى لا يثبت أن فوزي لقجع كان يختار المستوردين شخصياً، أو يحدد لائحة المستفيدين، أو يوقع على كل مبلغ دعم على حدة، ولا تسمح الوثائق المتاحة بالجزم بذلك.
كما لا يعني أن المسؤولية عن جميع مراحل التنفيذ تقع على الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وحده، لأن تنزيل العملية توزع على قطاعات ومؤسسات حكومية معنية بالاستيراد والمراقبة وصرف الدعم.
لكنه يجعل تقديم وزارة المالية باعتبارها مجرد جهة بعيدة عن تصميم الآلية أمراً يحتاج إلى تدقيق، ما دام البلاغ الرسمي نفسه يتحدث عن قرار مشترك بينها وبين وزارة الفلاحة.
المصدر الرسمي | وزارة الفلاحة عبر البوابة الوطنية للمملكة – 437 مليون درهم وقرار مشترك بين المالية والفلاحة
وتكشف الأرقام الرسمية حجم المال العمومي الذي مر عبر دعم استيراد الأغنام.
فخلال سنة 2023، بلغت كلفة الدعم 193 مليون درهم، مقابل استيراد نحو 386 ألف رأس وانخراط 61 مستورداً في العملية.
وخلال سنة 2024، ارتفعت الكلفة إلى 244 مليون درهم، مقابل نحو 489 ألف رأس و95 مستورداً.
وبذلك وصل مجموع الدعم المباشر خلال السنتين إلى 437 مليون درهم، مقابل نحو 875 ألف رأس و156 مستورداً.
وكانت الحكومة قد اعتمدت دعماً مباشراً في حدود 500 درهم عن كل رأس من الأغنام المستوردة الموجهة لعيد الأضحى، إلى جانب إجراءات جبائية وجمركية لتشجيع الاستيراد وتخفيف كلفته.
لكن العنصر الأكثر حساسية في السجال الحالي هو أن لقجع نفسه سبق أن قدم تقييماً نقدياً لنتيجة هذه الآلية.
ففي 31 أكتوبر 2024، وخلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أقر الوزير بأن دعم استيراد الأغنام المحدد في 500 درهم للرأس لم يحقق النتيجة المنتظرة، رغم المجهود المالي الذي عبأته الحكومة.
وبحسب التصريحات المنشورة آنذاك، كان الهدف من الإجراء سد الخصاص وزيادة العرض والحفاظ على القطيع الوطني، لكن لقجع أقر بأن النتيجة لم تكن في مستوى ما كان مأمولاً.
مصدر | تصريح لقجع أمام لجنة المالية يوم 31 أكتوبر 2024
وسبق لـMarocActu24 أن تابع هذا التناقض بين حجم تدخل الدولة واستمرار الضغط على أسعار اللحوم، مستحضراً اعتراف لقجع نفسه بأن دعم الاستيراد لم يحقق النتيجة المنتظرة.
اقرأ أيضاً | لقجع من الدفاع عن الدعم إلى مهاجمة الغلاء.. من يشرح للمغاربة أين توقفت النتائج؟
في المقابل، قدمت وزارة الفلاحة في 3 أبريل 2025 تقييماً أكثر إيجابية للعملية، إذ قالت إن الإجراءات ساهمت في تعزيز عرض الأغنام خلال عيدي الأضحى لسنتي 2023 و2024، والحفاظ على القطيع الوطني، وضمان تموين الأسواق باللحوم الحمراء، والمساهمة في استقرار الأسعار وعدم بلوغها مستويات قياسية.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف عندها: وزير مكلف بالميزانية أقر أمام البرلمان بأن دعم 500 درهم للرأس لم يحقق النتيجة المنتظرة، بينما قدمت وزارة الفلاحة بعد أشهر قراءة تقول إن الإجراءات كان لها أثر ملموس على العرض والأسعار.
ولا يعني اختلاف التقييمين بالضرورة وجود تناقض قانوني أو محاسباتي، لكنه يطرح سؤالاً حول المعيار الذي اعتمدته الحكومة لتقييم نجاح العملية، وحول المؤشرات التي تسمح بقياس أثر 437 مليون درهم من الدعم المباشر على الثمن النهائي الذي دفعه المستهلك.
فالرقم الرسمي يكشف عدد المستوردين وعدد الرؤوس والكلفة الإجمالية، لكنه لا يقدم، ضمن البلاغ المنشور، تفصيلاً فردياً يبين المبلغ الذي حصل عليه كل مستورد وحجم استفادته، ولا الأثر الذي أحدثه الدعم في سعر كل رأس عند وصوله إلى المستهلك.
كما يظل من المشروع التساؤل عن كيفية مراقبة انتقال أثر الدعم من المستورد إلى السوق، وما إذا كانت الكلفة التي تحملتها الدولة انعكست فعلياً بالقدر المتوقع على الأسعار.
وسبق لـMarocActu24 أن تابع الملف في سياقه الأوسع، بعد انتقال السياسات الحكومية من دعم الاستيراد إلى برنامج إعادة تكوين القطيع، وما رافقه من تعبئة مالية جديدة وأسئلة حول الحصيلة النهائية بالنسبة إلى المواطن.
اقرأ أيضاً | فوزي لقجع وأسعار اللحوم.. 12.8 مليار درهم تعيد سؤال الحصيلة
هكذا يصبح ملف دعم استيراد الأغنام أمام سلسلة واضحة من الوقائع الموثقة: 437 مليون درهم من الدعم المباشر خلال سنتين، ونحو 875 ألف رأس مستورد، و156 مستورداً، وقرار مشترك بين وزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الفلاحة، ثم إقرار سابق من لقجع بأن دعم 500 درهم للرأس لم يحقق النتيجة المنتظرة.
هذه المعطيات لا تثبت أن لقجع كان يدبر ملفات المستوردين بصورة شخصية، ولا تسمح بإسناد مسؤولية فردية إليه في اختيار المستفيدين.
لكنها تجعل تشبيه الملف بصفقة قطاعية لا علاقة لوزارة المالية بتفاصيل إطارها التنظيمي تشبيهاً غير مكتمل، لأن الوثيقة الرسمية تؤكد أن وزارة الاقتصاد والمالية كانت طرفاً في القرار المشترك المؤطر للعملية.
وبذلك يتحول النقاش من سؤال: «من كان يوقع تقنياً على ملفات المستوردين؟» إلى أسئلة أوسع تتعلق بالحكامة العمومية: من وضع شروط دعم استيراد الأغنام؟ ومن وافق عليها؟ وكيف جرى تتبع تنفيذها؟ وبأي مؤشرات قيس أثر 43.7 مليار سنتيم؟
أما الحسم في الجدل فلن تصنعه عبارة «لعنة الله على الكاذبين»، ولا السجال الانتخابي بين الأحزاب، وإنما نشر المعطيات التفصيلية التي تسمح بربط المال العمومي بالنتيجة.
من استفاد؟ وبأي مبلغ؟ وما الأثر الحقيقي للدعم على الأسعار؟
تلك هي الوثائق التي يمكن أن تحسم الجدل حول 43.7 مليار سنتيم، بين اعتراف سابق بأن دعم استيراد الأغنام لم يحقق النتيجة المنتظرة، وتقييم رسمي آخر يؤكد أنه ساهم في استقرار السوق.
